روان ويليامز.. حارس الروح في زمن التجارة بالدين

في زمنٍ تُباع فيه العقائد في أسواق المزايدات السياسية، ويُستدعى فيه اللاهوت ليتحول إلى هراوة تُشهَر في وجوه الآخرين، يقف الدكتور روان ويليامز—رئيس أساقفة كانتربري السابق والأكاديمي الرفيع—كقامةٍ…

كرم نعمةكرم نعمةكاتب عراقي22 أغسطس 2026· 3 دقيقة قراءة
شارك:

في زمنٍ تُباع فيه العقائد في أسواق المزايدات السياسية، ويُستدعى فيه اللاهوت ليتحول إلى هراوة تُشهَر في وجوه الآخرين، يقف الدكتور روان ويليامز—رئيس أساقفة كانتربري السابق والأكاديمي الرفيع—كقامةٍ أخلاقية وإنسانية استثنائية، تعيد للدين جوهره الأخلاقي الصافي، وتجعل من الإيمان وسيلة للتسامي لا أداة للبطش.

لم يكن روان ويليامز مجرد رجل دين يقبع في أعلى هرم الكنيسة الأنجليكانية لمدة عشر سنوات؛ بل كان وما زال بوصلة أخلاقية حاسمة ورجلاً متسقاً مع أفكاره وقيمه.

من ينسى موقفه الشجاع والصريح يوم وقف بصلابة في وجه رئيس الوزراء آنذاك توني بلير ومغامرة الاستعمار الحديث، رافضاً بوضوح قاطع احتلال العراق، واعتبر تلك الحرب خطأً أخلاقياً وسياسياً جسيماً.

وفي أعقاب الأزمات الكبرى، حين صعدت موجات وصم الإسلام بالإرهاب، تقدم ويليامز بعقلية المفكر العادل ليقرر مقاربة فكرية تفكيكية من طراز رفيع؛ إذ تساءل بجرأة: إذا كنا سنوصم الإسلام بالإرهاب بسبب أفعال متطرفين منتسبين إليه، فهل يجب بالمنطق ذاته أن نوصم المسيحية بالإرهاب بعد المجازر والفظائع التي ارتكبها صرب البوسنة بحق المسلمين في قلب أوروبا؟

ويمتد هذا النبل الأخلاقي إلى مواقفه الصارمة في صون الحريات الدينية وحماية التنوع الثقافي في الغرب؛ فقد كتب بوضوح يوماً تحذيراً شديد اللهجة في صحيفة "التايمز"، مؤكداً أن تصور مجتمع يُجرَّد من مظاهره الدينية العامة—كالصليب والنقاب والعمامة—سيكون مجتمعاً خطيراً من الناحية السياسية.

ورفض بقوة أن تتحول الحكومات إلى "سلطات ترخيص" تفرز الرموز الدينية المقبولة وغير المقبولة، محذراً من أن حظر الحجاب يمثل مجازفة سياسية تجعل المتابع يبدو وكأن بريطانيا تخوض حرباً دينية عبثية، بينما الجوهر الحقيقي يكمن في تعزيز التسامح وحرية الضمير.

ولم تنفصل نظرته الأخلاقية المبدئية عن الأزمات الإنسانية الكبرى في الشرق الأوسط؛ إذ طالما رفع صوته داعياً إلى السلام والمصالحة والتخلي عن منطق الانتقام الدامي والشعارات السامة التي تفسد النقاش الإنساني والسياسي. وفي تناوله للعدوان على قطاع غزة، لم يتردد في التنديد بالكارثة الإنسانية والمطالبة بتقديم الإغاثة العاجلة للمحاصرين.

وفي قراءته التأملية الدائمة لدائرة العنف المفرغة، يصرّ ويليامز على تبيان الحقيقة المرة: أن استمرار بطش العنف يمنح المتطرفين الذريعة لفرض أعتى الإجراءات القمعية ضد الفلسطينيين، مما يخنق كل فرص العدالة وينسف ركائز العيش المشترك.

هذا الاتساق الأخلاقي العميق هو ما يدفعه اليوم لتفكيك الأقنعة التي يرتديها ساسة اليمين المتطرف في بريطانيا والعالم.

وفي حديثه الأخير لمجلة "نيو هيومانيست"، لم يتردد ويليامز في توجيه نقد لاذع ولائم للسياسي اليميني نايجل فاراج ولأمثاله ممن يتاجرون بالهوية الدينية، مؤكداً أن فاراج لا يسهر الليالي تفكيراً في سر روحه أو شغفاً بالأسئلة اللاهوتية العميقة، بل يستغل عبارة "نحن مجتمع مسيحي" كغطاء أيديولوجي رخيص لتأطير وإذكاء المشاعر المعادية للمسلمين، وتأمين قبول سياسي على الساحة الدولية.

إن نموذج روان ويليامز يضعنا أمام حقيقة جليلة كثيراً ما تجرفها سطور الخطابات الراديكالية؛ حقيقة أن الغرب ليس كتلة صماء من العداء أو الانتهازية السياسية، بل هو أيضاً فضاء ثري بنخب فكرية وروحية تمتلك شجاعة الاستماتة في الدفاع عن الحق والإنصاف.

إن هذه القامات الأخلاقية التي تتنفس ضميراً حياً وتجعل من النقد الذاتي والنزاهة الثقافية خيارها الوحيد، تمثل العمق الإنساني الحقيقي لمجتمعاتها، وتؤكد أن صوت العدالة قادر على الاختراق والتحليق فوق الضجيج الأيديولوجي السائد.

من هنا، يصبح من الحصانة الفكرية والواجب الحضاري أن نلتفت في العالم العربي والمنتديات الثقافية إلى هذه النماذج النبيلة باهتمام بالغ، وأن نلتقط رسائلها بنباهة ورشد. فالتفاعل الحي والتواصل الفكري مع هؤلاء الأحرار في الغرب لا يمنح قضايا العادلة سنداً أخلاقياً دولياً فحسب، بل يكسر عزلة الخطاب المتطرف من الطرفين، ويتيح بناء جسور من الحوار المتبادل والتحالف الإنساني الصادق؛ تحالفٍ قادرٍ على مواجهة تجار الأديان وضيق الأفق، وتأسيس عالم أكثر عدلاً وإنصافاً للإنسان، أينما كان.

نص المقال المنشور بالإنجليزية في "ميدل ايست مونيتور"

https://www.middleeastmonitor.com/20260821-rowan-williams-guardian-of-the-soul-in-an-era-of-commercialized-faith/

شارك:
الآراء المنشورة تعبّر عن كتّابها ولا تعكس بالضرورة موقف مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات.
كرم نعمة
كرم نعمة
كاتب عراقي