البحرين ترفض شرعنة الواقع مع إيران

المقاطعة البحرينية لاجتماع مسقط لا تُقرأ كمجرد استعراض لخلاف دبلوماسي عابر، ولا كإشارة إلى انشقاق هيكلي داخل مجلس التعاون الخليجي، بل هي تعبير مكثف عن تباين عميق في فلسفات إدارة الأزمة الخليجية تجاه…

كرم نعمةكرم نعمةكاتب عراقي15 سبتمبر 2026· 3 دقيقة قراءة
شارك:

المقاطعة البحرينية لاجتماع مسقط لا تُقرأ كمجرد استعراض لخلاف دبلوماسي عابر، ولا كإشارة إلى انشقاق هيكلي داخل مجلس التعاون الخليجي، بل هي تعبير مكثف عن تباين عميق في فلسفات إدارة الأزمة الخليجية تجاه إيران عند لحظات الزوايا الحرجة.

لذلك قالت البحرين في بيان لوزارة الخارجية إن الحوار بين الدول “لا يقوم على تجاوز الوقائع”. وشددت على أن “استهداف المنشآت المدنية والاقتصادية خطر ماثل لا أمر انقضى”، مؤكدة أن “أمن واستقرار المنطقة لا يُبنى على التغاضي عن الاعتداءات، ولا يُشترى بالسكوت عن آثارها ولا يُصان بسياسة الاسترضاء”.

وشددت على أنها “لن تكون طرفا في أي اجتماع جماعي يضم إيران قبل عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين” المقطوعة منذ عام 2016.

تدرك المنامة بوضوح أن خوض مفاوضات سياسية تحت صفير الصواريخ وتهديد المضايق لا يُعد دبلوماسية بقدر ما هو تسليمٌ بمنطق الإكراه؛ فإيران لا تأتي إلى طاولة مسقط للبحث عن حلول متوازنة، بل لانتزاع اعتراف إقليمي بحدود نفوذها الجديد. وإن أي جلوس خليجي على هذه الطاولة دون وضع حد للمساس بالمواقع المدنية سيعني ضمنياً القبول بالقواعد التي تدير بها طهران صراعاتها، وتحويل الخطر المباشر إلى مجرد تفصيل إداري يُناقش على هامش جدول الأعمال.

في الوقت الذي تُفضل فيه سلطنة عمان وبعض العواصم مسار "احتواء الحريق" عبر استضافة المفاوضات وتجنب الصدام المباشر حول مضيق هرمز، ترفض البحرين تحويل الاعتداءات على البنية التحتية إلى مجرد "خلفية إقليمية" يُقفز عنها للوصول إلى تسويات طارئة.

وتسعى من خلال هذا الموقف الصارم إلى تحقيق ثلاث غايات سياسية رئيسية:

تفكيك استراتيجية "شرعنة الأمر الواقع"، ترفض المنامة فيه محاولة طهران استغلال إغلاق المضيق لفرض قواعد لعبة جديدة تتضمن الرسوم أو التصاريح الأمنية، وترى في الدخول في مفاوضات تحت وطأة التصعيد شرعنةً غير مباشرة لوصاية إيرانية على ممر دولي يخضع لقانون البحار المقر عام 1982.

إن خطورة المحاولة الإيرانية لمأسسة التحكم بعبور الممرات المائية لا تقف عند حدود الملاحة البحرية، بل تؤسس لسابقة جيوسياسية تُشرعن استخدام الاختناقات الاقتصادية الدولية كأوراق تفاوضية. وهنا يفسر لنا اندفاع الحوثيين بوصفهم أداة مطيعة لفيلق القدي الإيراني نحو مضيق باب المندب في مخطط إيراني واضح الهدف.

وهنا تكمن أهمية الموقف البحريني في التذكير بأن الأمن البحري ليس امتيازاً تجود به طهران مقابل خفض التصعيد، بل هو حقٌ مكفول بالقانون الدولي لا يخضع للمساومات ولا للرسوم السياسية المقنعة.

ثم إعادة رسم حدود التضامن الخليجي عبر التذكير بالهجوم على خط أنابيب شرق-غرب في السعودية من قبل ميليشيات إيران في العراق ومخاطر استهداف خزانات الأمونيا التي كادت توقع كارثة إنسانية في البلاد، وهكذا تسعى البحرين لتقديم المقاطعة كخط دفاع عن الأمن الجماعي، ملمحةً إلى أن التغريد المنفرد في مسارات التهدئة قد يُضعف جبهة الردع الخليجية.

يمثل بيان المنامة كسرا لصمت الدبلوماسية التقليدية ورفض سياسة الاسترضاء؛ ويبعث برسالة حازمة مفادها أن الاستقرار لا يُشترى بالسكوت عن المساس بالبنى التحتية المدنية، وأن الاسترضاء يمنح المعتدي مكافأة مجانية.

لا يمثل قرار البحرين برفض حضور اجتماع مسقط انشقاقا بقدر ما يعكس توزيعا أدبيا وسياسيا للأدوار داخل المنظومة الخليجية؛ بين "حمائم" يمسكون بخيوط الوساطة لمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، و"صقور" يضعون خطوطًا حمراء لمنع إيران من أخذ الاقتصاد العالمي والإقليمي رهينة.

هذا التباين الحاد في التعاطي الخليجي يرفع القناع عن حقيقة الأزمة: الاستقرار الدائم لا ينبع من إطفاء حرائق المؤتمرات العاجلة، بل من تجريد الطرف المعتدي من القدرة على الابتزاز.

الموقف البحريني يضع الجميع أمام مسؤوليتهم الجيوستراتيجية؛ فإما موقفٌ خليجي صلب يفرض التراجع الهيكلي على السلوك الإيراني، وإما السقوط في دورة لا تنتهي من إدارة الأزمات تحت السقف الذي تحدده طهران.

وهكذا يشكل الموقف البحريني تحريضا سياسيا غير مباشر لباقي دول الخليج العربي لرفع سقف الشروط، والتأكيد على أن أي ترتيبات مستقبلية لمضيق هرمز يجب أن تمر عبر بوابة الانكفاء الإيراني الشامل عن استهداف المواقع المدنية، وليس عبر فرض الإتاوات والإنذارات العسكرية.

 

شارك:
الآراء المنشورة تعبّر عن كتّابها ولا تعكس بالضرورة موقف مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات.
كرم نعمة
كرم نعمة
كاتب عراقي