أكراد سوريا يقدمون للإقليم درساً وطنياً
عندما أعود إلى أيام الدراسة الجامعية، وأتذكّر كيف كان يشاركني زميل كردي غرفة المبيت، أشعر أن تلك اللحظة الصغيرة كانت درساً مبكراً في معنى العراق الذي عرفناه قبل أن تتمزّق خرائطه. كان ذلك العراق، رغم…
عندما أعود إلى أيام الدراسة الجامعية، وأتذكّر كيف كان يشاركني زميل كردي غرفة المبيت، أشعر أن تلك اللحظة الصغيرة كانت درساً مبكراً في معنى العراق الذي عرفناه قبل أن تتمزّق خرائطه. كان ذلك العراق، رغم كل عيوبه، يعرف أن الوحدة ليست شعاراً، بل تجربة يومية. واليوم، وأنا أتابع إعلان مظلوم عبدي حلّ قوات سوريا الديمقراطية واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة السورية، عاد إليّ شيء من تلك النكهة القديمة: شعور بأن الانتماء يمكن أن يكون أكبر من الجغرافيا، وأن الهوية حين تُصان تصبح جسراً لا خندقاً.
لم أغالب يوماً أي شعور سلبي تجاه الأكراد، ليس لأن الذاكرة تختار ما تريد الاحتفاظ به، بل لأننا تربّينا على قصائد عبد الله كوران، وتعلّمنا كتابة أسمائنا بالكردية ونحن في الصف الرابع الإعدادي، وبنينا ذائقتنا على أغاني كريم كابان وألحان أحمد الخليل. تلك الذاكرة ليست مجرد حنين، بل هي جزء من مفهوم الوحدة الوطنية الذي كان يتشكّل فينا قبل أن تتكاثر المظالم وتتشقق الخرائط.
لكن ما فعله أكراد سوريا اليوم يتجاوز الذاكرة، ويتجاوز الجغرافيا، ويتجاوز حتى السياسة اليومية. إنه درس وطني كامل، درس في معنى الدولة حين تُستعاد، وفي معنى الهوية حين تُدمج لا حين تُستعمل كسلاح.
هذا القرار لا يخصّ سوريا وحدها، بل يخصّ المنطقة كلها، من العراق إلى لبنان، وصولاً إلى البوليساريو في الصحراء المغربية. إنه درس في أن الأوطان لا تُقسم إلا على نفسها، وأن كل محاولة لخلق كيانات موازية تنتهي دائماً إلى الفشل، كما تخبرنا كل تجارب التاريخ.
وصف المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك هذا الحدث بأنه “تاريخي”، ليس لأن واشنطن تغيّرت فجأة، بل لأن هذا الاندماج ينسجم مع ما تقوله الأدبيات الغربية منذ عقود عن بناء الدولة بعد الحروب.
تقارير International Crisis Group وكتب باحثين مثل Charles Tilly وFrancis Fukuyama تؤكد أن الدولة لا تُبنى إلا حين تتوحّد أدوات العنف الشرعي تحت سلطة واحدة، وأن أي ازدواجية في القوة العسكرية تعني بالضرورة ازدواجية في السيادة. ما فعله أكراد سوريا اليوم هو تطبيق حرفي لهذه القاعدة: جيش واحد، حكومة واحدة، دولة واحدة.
هذا ما لم يحدث في العراق. فالميليشيات الموالية لإيران، وهي جماعات مسلّحة مسؤولة عن انتهاكات واسعة وتهديد مباشر لمفهوم الدولة، اختارت الولاء لسلطة خارج الحدود، ورفضت الاندماج في مؤسسات الدولة، وفضّلت أن تكون أداة في مشروع إقليمي لا علاقة له بمصلحة العراقيين. وهكذا تحوّل العراق إلى نموذج مضاد لما يحدث في سوريا اليوم: دولة تُستنزف من الداخل، وسيادة تُقضم قطعة بعد أخرى، ومؤسسات تُفرغ من معناها.
لبنان أيضاً مثال آخر على الفشل: ازدواجية السلاح، ازدواجية القرار، ازدواجية الولاء. دولة معلّقة بين نصّ دستوري جميل وواقع سياسي مشوّه. أما سوريا، رغم كل ما مرّت به، فقد قدّمت اليوم نموذجاً مختلفاً: نموذجاً يقول إن الاندماج ليس تنازلاً، بل استعادة للمعنى. وإن الهوية الكردية حين تُصان داخل الدولة تصبح قوة للدولة لا تهديداً لها، كما تقول نظريات multicultural citizenship في الأدبيات السياسية الغربية.
ما حدث في دمشق ليس مجرد خطوة إدارية، بل إعادة تعريف للعلاقة بين الدولة ومكوّناتها. إنه إعلان بأن سوريا الموحدة ليست شعاراً، بل مشروعاً قابلاً للحياة، وأن الاندماج الحقيقي لا يقوم على حسابات الربح والخسارة، بل على إدراك أن الجميع يصبح أقوى حين يكون جزءاً من دولة واحدة لا من جغرافيا متنازعة.
هذا الدرس يجب أن يُقرأ جيداً في العراق. يجب أن يُقرأ في أربيل والسليمانية كما يُقرأ في بغداد. يجب أن يُقرأ في النجف كما يُقرأ في الموصل. لأن الانقسام لم ينتج يوماً دولة، ولم يصنع أمناً، ولم يخلق استقراراً. كل ما فعله هو أنه فتح الباب أمام نفوذ خارجي يتغذّى على الفراغ، وأمام ميليشيات تتغذّى على ضعف الدولة، وأمام خطاب طائفي يتغذّى على الخوف.
أكراد سوريا قدّموا اليوم درساً وطنياً نادراً: درساً في أن الهوية حين تُدمج تُزهر، وحين تُعزل تذبل. درساً في أن الدولة ليست جغرافيا، بل عقداً اجتماعياً. درساً في أن القوة ليست في السلاح، بل في شرعية السلاح. درساً في أن المستقبل لا يُبنى إلا حين يتوقف الجميع عن تقليد الرقع، ويبدأون في خياطة ثوبٍ جديد للدولة.
هذا هو الدرس الذي يجب أن نتمسّك به اليوم، وسط الفشل المحيط بنا، وسط الخراب الذي يهدد العراق ولبنان، وسط الميليشيات التي تعمل على تدمير مفهوم الدولة عبر الولاء الأعمى لطهران. سوريا، رغم كل شيء، قدّمت اليوم نموذجاً ناجحاً في لحظة إقليمية يخيّم عليها الفشل.
والسؤال الآن: هل نتعلم من هذا الدرس، أم نواصل خياطة الرقع فوق الرقع حتى لا يبقى من الثوب سوى اسمه؟
نص المقال المنشور بالإنجليزية في "ميدل ايست مونيتور"
https://www.middleeastmonitor.com/20260826-syrian-kurds-offer-the-region-a-lesson-in-nationhood/

