الانكسار الأكبر: حين يقف القاتل على باب الضحية

لم يكن تصريح الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بـ "عدم وجود مانع من اللقاء العلني مع القيادة السورية في الوقت المناسب"، مجرد سطر عابر في مدونة المناورات الدبلوماسية؛ بل كان إعلاناً صريحاً عن لحظة…

كرم نعمةكرم نعمةكاتب عراقي7 أغسطس 2026· 3 دقيقة قراءة
شارك:

لم يكن تصريح الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بـ "عدم وجود مانع من اللقاء العلني مع القيادة السورية في الوقت المناسب"، مجرد سطر عابر في مدونة المناورات الدبلوماسية؛ بل كان إعلاناً صريحاً عن لحظة انكسار يتجاوز حدود الفشل السياسي إلى قاع الإفلاس الأخلاقي.

من حق المتابع أن يتساءل: هل نحن أمام تقية سياسية جديدة من تلك التي تُتقنها ميليشيات إيران وأحزابها؟ تلك الأدبيات التي طالما صُدّعت بها الرؤوس بشعارات العزة والسيادة، لتتلاشى عند أول منعطف حقيقي وتستبدل "هيهات من الذلة ومثلي لا يبايع مثلك" باستجداء ناعم على أعتاب دمشق الجديدة.

لا يبدو تصريح نعيم قاسم محاولة لترتيب علاقة سياسية بدمشق الجديدة، بل كان اعترافًا علنيًا بأن حزب الله يقف اليوم عند حافة مشروع انتهى، وأنه يمدّ يده لا بحثًا عن لقاء، بل بحثًا عن نجاة. فالميليشيا التي كانت تتحدث بلغة المنتصر، وتفرض شروطها على الخرائط، وتُسقط المدن السورية واحدة تلو الأخرى تحت شعار “المقاومة والدفاع عن المذهب لا عن الوطن”، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى تلطيف خطابها، وتقديم أوراق اعتماد جديدة لسلطة سورية لم تعد تشبه النظام الذي قاتلت لأجله. هذا ليس مرونة سياسية، بل انكسار كامل، انكسار يجرّ صاحبه إلى التوسل، لأن السلاح الذي كان يصنع المعادلات لم يعد قادرًا على حماية سرديته.

إن حزب الله الذي تورّط بدماء السوريين، وشارك في تحويل الثورة إلى حرب إبادة، يقف اليوم أمام الشعب السوري كمن يحاول إخفاء آثار جريمته تحت عباءة “العلاقة الأخوية”. السوريون الذين رأوا مقاتلي الحزب يقتحمون بيوتهم، ويقتادون أبناءهم إلى مصائر مجهولة، لن ينسوا أن اليد التي تُمدّ اليوم للسلام هي اليد نفسها التي حملت السلاح ضدهم. إنهم يعرفون جيدًا أن هذا الانحناء ليس اعتذارًا، بل خوفًا من مستقبل لا يملك الحزب فيه مكانًا ولا وظيفة.

وما يحدث في لبنان ليس إلا بداية العدوى. فالميليشيات الإيرانية في العراق، التي بنت سلطتها على القتل على الهوية، واحتلت الدولة من الداخل، ورفعت شعارات السيادة وهي تتلقى أوامرها من طهران، ستجد نفسها قريبًا في المشهد ذاته: تتخلى عن لغة التهديد، وتبحث عن مخارج سياسية، وتطرق أبواب السفارات التي كانت تتهمها بالتآمر، وتستجدي رضا العائلات العراقية التي فقدت أبناءها في جرائم القتل على الهوية. فحين يسقط الغطاء الإقليمي، تتعرّى الأدوات المحلية، وتكتشف أنها بلا مشروع، بلا حماية، وبلا قدرة على الاستمرار إلا عبر التوسل لمن كانت تقتلهم بالأمس.

وفي اليمن، سيجد الحوثيون أنفسهم أمام الحقيقة ذاتها. فخطاب “الموت لأمريكا” الذي كان يُستخدم كستار لاحتلال الدولة، سيتحوّل إلى لغة تفاوضية ناعمة، وإلى بحث محموم عن تسوية تحفظ لهم ما تبقى من نفوذ. فالميليشيا التي بنت قوتها على الفراغ السياسي، وعلى انهيار الدولة، لا تستطيع أن تعيش في لحظة استقرار إقليمي جديد، ولا في عالم لم يعد يتسامح مع المشاريع العابرة للحدود. وحين تتغير موازين القوى، يصبح الصراخ الأيديولوجي مجرد ضجيج بلا تأثير، ويصبح السلاح عبئًا لا ورقة قوة.

إن ما نراه اليوم في تصريح نعيم قاسم للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع، ليس مجرد تحول في الخطاب، بل لحظة انهيار بنيوي لمشروع كامل. مشروع اعتمد على الفوضى، وعلى تفكيك الدول، وعلى صناعة الحروب الأهلية، وعلى تحويل الميليشيات إلى أدوات سياسية. وحين تستعيد الشعوب زمام المبادرة، وحين تسقط الأنظمة التي كانت توفر الغطاء، يصبح القاتل بلا ملاذ، ويصبح مضطرًا إلى الوقوف على باب الضحية، يطلب العفو، أو يطلب التجاهل، أو يطلب أن يُسمح له بالبقاء في الهامش.

لكن الشعوب لا تمنح العفو بسهولة. والهزيمة حين تأتي، تأتي كاملة، وتجرّ معها كل من ظن أن السلاح يصنع شرعية، أو أن التقية السياسية قادرة على إخفاء الحقيقة.

 

هذه لحظة انكسار لا لحظة مراجعة. ولحظة سقوط لا لحظة مصالحة. ولحظة يكتشف فيها المشروع الإيراني أن زمن الميليشيات انتهى، وأن زمن الضحايا بدأ يتكلم.

شارك:
الآراء المنشورة تعبّر عن كتّابها ولا تعكس بالضرورة موقف مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات.
كرم نعمة
كرم نعمة
كاتب عراقي