الاغتيالات... واحدة في ليبيا الأمس واليوم

بين اغتيال الصحفي والكاتب الليبي محمد مصطفى رمضان، أحد أبرز مذيعي هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، أمام المسجد المركزي في لندن عام 1980 على يد عملاء للنظام الليبي بعد أن أنهى صلاته، وبين اغتيال اللواء…

كرم نعمةكرم نعمةكاتب عراقي12 أغسطس 2026· 5 دقيقة قراءة
شارك:

بين اغتيال الصحفي والكاتب الليبي محمد مصطفى رمضان، أحد أبرز مذيعي هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، أمام المسجد المركزي في لندن عام 1980 على يد عملاء للنظام الليبي بعد أن أنهى صلاته، وبين اغتيال اللواء فوزي المنصوري، مدير الاستخبارات العسكرية في قوات شرق ليبيا، هذا الأسبوع إثر خروجه من المسجد عقب صلاة العشاء بعبوة لاصقة في سيارته ببنغازي؛ لا شيء اختلف إطلاقاً في هندسة تصفية الخصوم. نحن أمام مسافة زمنية تقترب من نصف قرن، لكن الذهنية ذاتها التي تُدير العنف كأداة حسم سياسي ما زالت تحكم جينات الفاعل.

لم يكن محمد مصطفى رمضان سوى صوت صحفي يجهر بمعارضته لجبروت معمر القذافي من منصات لندن، حاملاً ملمحاً ثرّاً أحبه الجمهور العربي في نشرات الأخبار التي تبث من القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية. أما اللواء فوزي المنصوري، فيحضر في مشهد إقليمي ومحلي أكثر تعقيداً؛ فالعداء بين شرق ليبيا وغربها لم يعد مجرد خلاف أيديولوجي، بل تحول إلى صراعٍ وجودي على الموارد والشرعية. غير أن ما يجمع بين المشهدين المتباعدين زمنياً، هو تلك المفارقة المسكونة بالبشاعة: قُتل الرجلان فور خروجهما من بيت من بيوت الله. ألا تعني هذه التراجيديا أن التاريخ السياسي الليبي لم يبرح مكانه، وأن زمن القذافي وما بعد مقتله صنوان في ممارسة التصفيات؟

وهنا تبرز قراءة أعمق لما يمكن أن نسميه بـ"استمرارية الدولة العميقة العنيفة" في ليبيا. فالمؤسسات الأمنية التي ورثت إرث القذافي لم تُبنَ على قواعد مهنية، بل على شبكات ولاء شخصية وقبلية، وهو ما يجعل العنف أداةً بنيوية لا ظرفية. تشير دراسات المعهد إلى أن “الأنظمة التي تعتمد على شبكات غير رسمية لإدارة السلطة تميل إلى إعادة إنتاج العنف حتى بعد سقوط رأس النظام”، وهو ما يفسر لماذا بقيت هندسة الاغتيال ثابتة رغم تغيّر الوجوه.

إن اغتيال رمضان في لندن والمنصوري في بنغازي ليسا حادثين منفصلين، بل فصلان من كتاب واحد لم يُغلق بعد: كتاب الدولة التي لم تتعلم أن تحكم إلا عبر الخوف.

إصرار الواقع السياسي على تكرار المشهد ذاته ليس محض مصادفة أمنية، بل هو دليل على أن الطبقة السياسية والعسكرية المتنفذة اليوم—في الشرق كما في الغرب—ليست سوى نسخة معاصرة ومعدلة من النظام القديم. لقد أعاد أمراء الحرب والميليشيات إنتاج "المنظومة القذافية" بامتياز، حيث يُلغى الآخر، ويُترجم الخلاف الفكري أو العسكري إلى طلقات نارية أو عبوات لاصقة. فتكرار سيناريو القتل بعد أربعة عقود يُعري الحقيقة المرة: لم يغادر القذافي ليبيا إلا كمفهوم فيزيائي، بينما استقرت فلسفته في إدارة الحكم بالدمار والترهيب في عقول خلفائه المفترضين.

وطوال عقدٍ كامل، حرصت السلطات في شرق ليبيا على تصدير صورة من الاستقرار النسبي بالمقارنة مع بؤر التوتر والاشتباكات المتكررة بين الجماعات المسلحة في الغرب. غير أن الخرق الأمني العميق الذي جسّده اغتيال المنصوري جاء ليرسم انتكاسة صريحة لأي جُهد يرمي لجمع "الأخوة الأعداء".

وتذهب تحليلات مجموعة الأزمات الدولية إلى أن ليبيا اليوم تعيش ما يُعرف بـ"اقتصاد العنف"، حيث يصبح الاغتيال جزءاً من منظومة توزيع الموارد. فالعنف ليس مجرد وسيلة لإسكات الخصوم، بل هو أداة لإعادة تشكيل ميزان القوى داخل شبكات النفوذ. في تقرير صدر عام 2023، تؤكد المجموعة أن “الميليشيات في ليبيا لا تستخدم القوة فقط لتحقيق مكاسب سياسية، بل لضمان استمرار تدفق الموارد الريعية إليها”.

هذا يعني أن اغتيال المنصوري ليس مجرد اختراق أمني، بل هو رسالة سياسية واقتصادية في آن واحد: من يملك القدرة على القتل يملك القدرة على التحكم في مسار النفط، وفي مسار الدولة نفسها. وهكذا يصبح الاغتيال امتداداً طبيعياً لاقتصاد الغنيمة، لا مجرد فعل جنائي.

الصورة في ليبيا المنقسمة ليست عصية على التشريح؛ البلاد تقع اليوم تحت وطأة حكومتين: "حكومة الوحدة الوطنية" برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، و"الحكومة المكلفة من مجلس النواب" برئاسة أسامة حماد في بنغازي، فيما تقف بعثة الأمم المتحدة عاجزة منذ سنوات عن التوصل إلى تسوية تُعيد ضبط البوصلة لبلدٍ يعوم على بحر من النفط والغاز.

وهنا تكمن العقدة الهيكلية للتركة الليبية: الصراع المحموم بين الشرق والغرب لم يكن يوماً صراعاً على "مشروع وطني جامع" أو بناء مؤسسات الدولة، بل هو صراع محدد المعالم على السلطة والموارد الريعية. لقد حلّ "اقتصاد الغنيمة" محل فكرة المواطنة؛ حيث تُستغل حالة الانقسام القائمة كستار دخاني لتكريس الفساد وتغول شبكات النفوذ، وحماية مصالح النخب السياسية المسلحة. إن استمرار هذا الانسداد يضمن للفاعلين الحاليين البقاء في "المناطق الرمادية"، حيث تغيب الدولة والقانون، ويصبح النفط هو العباءة التي تُغطى بها كل السرقات والجرائم.

تُعد ليبيا نموذجاً صارخاً لما يسمى “الانتقال المعطوب”، حيث تتفكك الدولة القديمة دون أن تُبنى دولة جديدة. فغياب مشروع وطني جامع بعد 2011 سمح للفاعلين المسلحين بملء الفراغ، وتحويل الدولة إلى ساحة تنافس بين سلطات أمر واقع.

هذا الفشل البنيوي يجعل الاغتيالات جزءاً من المشهد السياسي، لا استثناءً عنه. فحين تغيب المؤسسات القضائية والأمنية القادرة على فرض القانون، يصبح القتل لغةً سياسيةً مفهومة بين الأطراف المتصارعة. إن اغتيال المنصوري يعكس هذا الفشل بوضوح: دولة بلا مؤسسات، وسلطات بلا شرعية، ومجتمع بلا حماية.

وهكذا تتجاوز المعضلة الحقيقية الفشل الإداري إلى تفكك فكرة "الدولة الوطنية" نفسها. فبينما تتوزع الغنائم وتتبادل الأطراف الاتهامات، يظل الملايين من أبناء الشعب الليبي الضحية الوحيدة لهذه المقايضة القاسية، حائرين بين جغرافيتين، وحكومتين، ودولتين مفترضتين في الشرق والغرب، تنقطع بينهما سُبل الحياة الكريمة والعدالة.

في النهاية، إن اغتيال اللواء المنصوري في بنغازي ليس حادثاً جنائياً عابراً، بل هو جرس إنذار يُعري وهم "الهدوء الحذر"، ويؤكد أن ثقافة الاغتيال السياسي لم ترحل بموت القذافي، بل تشظت إلى مراكز نفوذ متعددة الرؤوس. ففي الدول المنقسمة يصبح الاغتيال أداة حكم حين تفشل الدولة في احتكار العنف. وهذا بالضبط ما حدث في ليبيا: الدولة غائبة، والعنف حاضر، والفاعلون المسلحون هم من يكتبون فصول السياسة.

وما بين لندن 1980 وبنغازي اليوم، يبقى الموت هو المفردة الأكثر ثباتاً في القاموس السياسي الليبي، فيما تظل الدولة هي الغائب الأكبر.

نص المقال المنشور بالإنجليزية في "ميدل ايست مونيتور"

https://www.middleeastmonitor.com/20260812-political-assassinations-libyas-yesterday-and-today/

شارك:
الآراء المنشورة تعبّر عن كتّابها ولا تعكس بالضرورة موقف مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات.
كرم نعمة
كرم نعمة
كاتب عراقي