وقاحة الوليّ: كيف يحوّل ولايتي الكذب إلى سياسة خارجية

يكاد علي أكبر ولايتي يجسّد النموذج الإيراني الأكثر صفاقة في ازدراء الحقائق، نموذجاً لا نراه في الخطاب الإيراني إلا عند الخميني نفسه، حين كان يخلط بين الوهم والوصاية ويقدّم الكذب باعتباره امتداداً…

كرم نعمةكرم نعمةكاتب عراقي30 يونيو 2026· 5 دقيقة قراءة
شارك:

يكاد علي أكبر ولايتي يجسّد النموذج الإيراني الأكثر صفاقة في ازدراء الحقائق، نموذجاً لا نراه في الخطاب الإيراني إلا عند الخميني نفسه، حين كان يخلط بين الوهم والوصاية ويقدّم الكذب باعتباره امتداداً طبيعياً لـ“الدور التاريخي” الذي اخترعته الثورة لنفسها. ولايتي، الذي تربّى على دروس الكراهية من سيده الخميني، لا يكتفي بتزوير الوقائع، بل يصرّ على تقديم هذا التزوير بلهجة الوصيّ الذي يوزّع شهادات الوجود على جيرانه. قبل أشهر، قال بلا خجل إن إيران كانت دائماً تربطها علاقات ودّية بالمشيخات العربية المطلة على الخليج، وإنها هي التي “أعادت مسقط من الاحتلال البرتغالي”. واليوم يذهب أبعد، فيعلن أن استقرار الدول العربية المطلة على الخليج يعود إلى إدارة بلاده لمضيق هرمز “منذ قرون”، ثم يضيف عبارته التي تكشف جوهر العقل السياسي الذي يمثله: “سكان الجوار وصغاره السياسيين” الذين يقوم بقاؤهم على “الفتات المتساقط من هذه المائدة”.

هذه ليست مجرد وقاحة لغوية؛ إنها خلاصة عقيدة كاملة ترى أن الجغرافيا ملكية خاصة، وأن التاريخ دفتر يمكن شطبه وإعادة كتابته، وأن الجيران مجرد تفاصيل صغيرة في مشروع نفوذ كبير. ولايتي لا يخطئ في التاريخ عن جهل، بل عن تصميم. حين يدّعي أن إيران حرّرت مسقط من البرتغاليين، فهو لا يقدّم قراءة بديلة، بل يمارس سطواً رمزياً على ذاكرة الآخرين، ويحوّل تاريخاً عمانياً معقداً إلى هامش في سجلّ “الفضل الإيراني”. وحين يتحدث عن مضيق هرمز كأنه ممرّ تحت إدارة الحرس الثوري منذ قرون، فهو لا يصف واقعاً، بل يعلن وصاية سياسية على الخليج، وكأن هذا البحر ليس فضاءً دولياً، بل ممرّاً خاصاً لبيت المرشد.

لغة ولايتي تكشف أكثر مما تخفي. حين يصف دول الخليج بأنها “سكان جوار وصغاره السياسيين”، فهو لا يرى دولاً ذات سيادة، بل يرى تجمعات بشرية تعيش قرب حدود إيران، وتحتاج إلى وصيّ يضمن بقاءها. الجيرة هنا ليست علاقة متبادلة، بل علاقة عمودية: كبير وصغار، مركز وأطراف، مائدة وفتات. هذا الخطاب لا يصدر عن قوة واثقة، بل عن سلطة تخشى أن ترى في الخليج نموذجاً مختلفاً: دولاً تبني اقتصاداً متنوعاً، وتفتح أبوابها للعالم، وتتحرك في اتجاهات لا يمكن ضبطها من طهران أو من قم. استقلال القرار العربي، مهما كان ناقصاً، هو كابوس لمشروع يرى في المنطقة مجال نفوذ مغلقاً، لا ساحة تنافس مفتوحة.

ولايتـي يمارس النسخة الخارجية من الكذب الثوري الذي أسسه الخميني. في الداخل، الكذب يبرّر الفقر والقمع باسم “الصمود”. وفي الخارج، يبرّر التمدّد باسم “الدور التاريخي”. لذلك يصبح من الضروري أن يُقال للعرب إن استقرارهم منحة إيرانية، وإن أمنهم نتيجة لإدارة طهران للمضيق، وإن وجودهم السياسي قائم على “الفتات”. هذا ليس تحليلاً سياسياً، بل محاولة لإعادة تشكيل الوعي: إذا كانت إيران هي من حرّرت، وهي من أدارت، وهي من ضمنت، فهي إذن صاحبة الحق في أن تقرّر من يبقى ومن يزول.

لكن ما الذي يخشاه ولايتي حقاً؟ يخشى أن يتحوّل مضيق هرمز إلى ورقة دولية لا ورقة إيرانية، وأن يصبح الخليج شريكاً لا تابعاً، وأن تتراجع قدرة طهران على استخدام الممرّ المائي كأداة ابتزاز. يخشى أن يرى العالم أن استقرار الخليج لم يكن يوماً هدية من إيران، بل نتيجة شبكات مصالح دولية وإقليمية لا مكان فيها لخطاب الوصاية. يخشى أن تنكشف هشاشة السردية التي بنى عليها مشروعه، سردية “الدور التاريخي” الذي لا وجود له إلا في خطابات المرشد ومستشاريه.

تفكيك خطاب ولايتي يكشف أننا أمام مشروع لا يعترف بالحقائق إلا إذا خدمته، ولا يعترف بالجيران إلا إذا انحنوا أمامه. مشروع يرى في الخليج هامشاً، وفي العرب صغاراً، وفي التاريخ مادة خام لإعادة الصياغة. لذلك تبدو وقاحته السياسية ليست زلة لسان، بل خلاصة عقيدة كاملة. عقيدة تعتبر أن الحقائق عقبة يمكن تجاوزها، وأن الجيران تفاصيل يمكن إهانتها، وأن البحر نفسه يمكن تحويله إلى ملكية خاصة.

إذا كان ولايتي يريد أن يعلّم “صغار الجوار” درساً في التاريخ، فالتاريخ يردّ عليه بوضوح: الخليج لم يكن يوماً مائدة لأحد، بل كان دائماً بحراً مفتوحاً، يفضح كل من يحاول أن يحوّله إلى ورقة ابتزاز أو إلى مسرح لكذب رخيص لا تجده إلا في أسواق السياسة التي اعتاد أن يتسوّق فيها.

إذا كان علي أكبر ولايتي يظن أن التاريخ يمكن أن يُدار كما تُدار لجان الاستشارة في مكتب المرشد، فالتاريخ أكثر قسوة من أن يخضع لخياله. الخليج لم ينتظر إيران لتمنحه اسماً، ولا استقراره كان يوماً هدية من “إدارة المضيق”، ولا دوله قامت على فتات أحد. هذه المنطقة التي يحاول ولايتي أن يختصرها في “صغار سياسيين” هي التي كشفت، مراراً، هشاشة المشروع الذي يمثّله، مشروع يعيش على الادعاء، ويتنفس من رئة الكذب، ويحتاج دائماً إلى عدوّ خارجي ليخفي عجزه الداخلي.

الوقاحة التي يتحدث بها ولايتي ليست قوة، بل محاولة يائسة لتغطية حقيقة يعرفها هو قبل غيره، أن إيران، بكل خطابها الثوري، لم تستطع أن تقدّم نموذجاً واحداً يُحتذى به، لا في الاقتصاد، ولا في السياسة، ولا في إدارة الدولة. لذلك تلجأ إلى التاريخ لتزوّره، وإلى الجغرافيا لتحتكرها، وإلى الجيران لتحتقرهم. إنها طريقة الضعيف حين يتظاهر بأنه مركز الكون. الا اذا افترضنا أن العويل الطائفي، كنموذج، ماركة إيرانية صرفة "عندما زار ولايتي العراق عام 1990 طلب أن يزور أحد المراقد في بغداد، وبالفعل سمح له، وفضّل أن يدخل المرقد زاحفا، ذلك الابتذال اصبح نموذجا إيرانيا بين طقوس الرعاع للزحف في الوحل"!

وإذا كان ولايتي يريد أن يعلّم الخليج درساً في “البقاء”، فالبقاء الحقيقي ليس ما تمنحه طهران أو تمنعه، بل ما تصنعه الدول التي تعرف كيف تبني، وكيف تنفتح، وكيف تتعامل مع العالم من موقع الندّ لا من موقع التابع كما يحدث في العراق اليوم. أما من يعيش على صناعة الأوهام، فمصيره أن يكتشف، متأخراً، أن المائدة التي يتحدث عنها لم تكن يوماً مائدته، وأن الفتات الذي يتخيّله لم يسقط إلا من خطابه هو، لا من واقع المنطقة.

التاريخ لا يرحم من يصرّ على الكذب، والبحر لا يعترف بمن يحاول أن يضع اسمه على ممرّ دولي، والخليج لا ينتظر وصياً جديداً. أما ولايتي، فسيبقى نموذجاً مثالياً لسياسي يعتقد أن الوقاحة بديل عن الحقيقة، وأن الصلف يمكن أن يتحوّل إلى سياسة خارجية. لكن الوقاحة، مهما ارتفعت نبرتها، تبقى في النهاية مجرد ضجيج… والضجيج لا يصنع نفوذاً، ولا يصنع تاريخاً، ولا يصنع دولة.

نص المقال المنشور بالإنجليزية في موقع "ميدل ايست مونيتور"

https://www.middleeastmonitor.com/20260627-the-arrogance-of-the-guardian-how-velayati-turns-falsehoods-into-foreign-policy/

شارك:
الآراء المنشورة تعبّر عن كتّابها ولا تعكس بالضرورة موقف مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات.
كرم نعمة
كرم نعمة
كاتب عراقي