ترامب وإيران: بداية حرب أم ضوضاء مايكرفونات

ما الذي يعنيه أن يختار دونالد ترامب أن يعلن من أنقرة، المدينة الأقرب سياسيًا وجغرافيًا إلى إيران، أن مذكرة التفاهم مع طهران «انتهت»، وأنه لا يريد «التعامل مع قادة مرضى»؟ هل هي مجرد نوبة غضب جديدة…

كرم نعمةكرم نعمةكاتب عراقي10 يوليو 2026· 5 دقيقة قراءة
شارك:

ما الذي يعنيه أن يختار دونالد ترامب أن يعلن من أنقرة، المدينة الأقرب سياسيًا وجغرافيًا إلى إيران، أن مذكرة التفاهم مع طهران «انتهت»، وأنه لا يريد «التعامل مع قادة مرضى»؟ هل هي مجرد نوبة غضب جديدة لرئيس اعتدنا أن يقول شيئًا في المساء وينقضه في الصباح، أم أن المكان واللحظة يحملان دلالات أبعد من جملة عابرة على هامش قمة للناتو؟

أنقرة ليست مدينة محايدة في خريطة الصراع مع إيران. هي عاصمة دولة تتقاطع مصالحها مع طهران في ملفات عديدة، وتتنافس معها في أخرى، وتلعب دور الوسيط حينًا، ودور الشريك حينًا آخر. أن يختار ترامب هذه العاصمة بالذات ليعلن أن «مذكرة التفاهم مع إيران انتهت»، وأنه لا يريد أن «يهدر الوقت» في التعامل مع «قادة مرضى»، فهذا يفتح بابًا للتساؤل: لمن يوجّه رسالته حقًا؟ هل يخاطب حلفاءه في الناتو، أم يرسل صدى صوته عبر الحدود إلى طهران، مستفيدًا من قرب المكان ورمزية اللحظة؟

في السياسة، المكان ليس تفصيلاً ثانويًا. أن تقول شيئًا في واشنطن يختلف عن أن تقوله في أنقرة أو الرياض أو بروكسل. أنقرة هنا ليست مجرد منصة إعلامية، بل مسرحًا إقليميًا تتقاطع فيه خطوط التوتر بين واشنطن وطهران، وبين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، وبين تركيا نفسها وإيران. حين يعلن ترامب أن «المذكرة انتهت» بعد موجة من الضربات المتبادلة، فهو لا يكتفي بوصف حالة عسكرية، بل يحاول أن يعيد تعريف العلاقة مع إيران أمام حلفائه، وأمام خصومه، وأمام الرأي العام الذي يتابع قمة الناتو بحثًا عن إشارات إلى مستقبل الصراع.

لكن السؤال الأعمق: هل يمكن أن نعوّل على هذا التصريح ونبني عليه مؤشرات سياسية؟ أم أننا أمام حلقة جديدة في مسلسل التصريحات المتقلبة التي تميّز أسلوب ترامب في الحكم؟ الرجل الذي يصف قادة إيران بأنهم «مرضى» و«حثالة» في يوم، قد يعلن في يوم آخر استعداده لـ«صفقة عظيمة» معهم إذا رأى في ذلك مكسبًا انتخابيًا أو اقتصاديًا. كيف يمكن لصانع قرار، أو محلل سياسي، أن يتعامل مع خطاب يتأرجح بهذه السرعة بين التصعيد والتهدئة، بين الإهانة والصفقة؟

من جهة، لا يمكن تجاهل أن وصف القيادة الإيرانية بأنها «مرضى» و«سقماء» ليس مجرد شتيمة عابرة، بل جزء من بناء صورة ذهنية للخصم أمام الداخل الأمريكي وأمام الحلفاء. هذا النوع من اللغة يسهّل تبرير أي تصعيد لاحق، لأنه يحوّل الخصم إلى كيان غير عقلاني، غير قابل للتفاهم، وبالتالي غير جدير بالاتفاقات. حين يقول ترامب إن «المذكرة انتهت»، فهو لا يعلن فقط نهاية وثيقة، بل يحاول أن يقنع العالم أن فكرة التفاهم مع إيران نفسها كانت «إهدارًا للوقت»، كما قال في تصريحات أخرى. هنا يصبح السؤال: هل نحن أمام تحوّل استراتيجي، أم أمام لحظة انفعال تُستخدم فيها اللغة القصوى لخدمة موقف تفاوضي لاحق؟

ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال أن ترامب، في التصريح نفسه، يربط بين إيران وبين حلفاء آخرين، كما فعل حين هاجم إسبانيا وهدد بقطع التجارة معها، واصفًا إياها بأنها «شريك سيئ» في الناتو. هذا الربط بين ملف إيران وملفات أخرى داخل الحلف يوحي بأن الرجل يستخدم لحظة القمة لتصفية حسابات متعددة، لا لتقديم رؤية متماسكة. هل يعني هذا أن موقفه من إيران جزء من مزاج عام في علاقته بالحلفاء، أكثر مما هو جزء من استراتيجية مدروسة تجاه طهران؟

الدلالة الأخطر ربما تكمن في أن ترامب يعلن نهاية «مذكرة التفاهم» في لحظة تصعيد عسكري، بعد ضربات متبادلة في الخليج وقواعد تستضيف قوات أمريكية. هنا يصبح التصريح جزءًا من مشهد أوسع: مشهد رئيس يقول للعالم إن «الهدنة انتهت»، وإنه لا يريد أن «يتعامل» مع الطرف الآخر، بينما الآلة العسكرية تتحرك على الأرض. هل هذا إعلان عن مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة، أم مجرد ضغط نفسي وإعلامي لإجبار إيران على العودة إلى طاولة تفاوض بشروط مختلفة؟

ثم يأتي السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: كيف نتعامل مع رئيس يقول اليوم إن الاتفاق انتهى، وغدًا قد يعلن عن «اتفاق أفضل» مع الطرف نفسه؟ هل نبني التحليل على الكلمات، أم على الأفعال؟ على التصريحات، أم على مسار السياسات الفعلي؟ تجربة السنوات الماضية مع ترامب تقول إن اللغة عنده أداة تكتيكية أكثر مما هي تعبير عن عقيدة ثابتة. يرفع السقف حين يحتاج إلى ضجيج، ويخفضه حين يحتاج إلى صفقة. في هذا السياق، يصبح تصريح أنقرة جزءًا من لعبة أكبر، لا نهاية فصل نهائي.

ومع ذلك، لا يمكن أن نكتفي بالقول إن «هذا ترامب، هكذا يتكلم»، ونطوي الصفحة. فكل تصريح من هذا النوع يترك أثرًا في بنية العلاقات الدولية، وفي حسابات العواصم المعنية. إيران نفسها تقرأ هذه الكلمات، وتضعها في سياق حساباتها الداخلية والخارجية. تركيا، التي تستضيف القمة، تقرأ الرسالة أيضًا: رئيس أمريكي يستخدم عاصمتها منصة لإعلان نهاية تفاهم مع جارها الشرقي، ويصف هذا الجار بأنه «مريض» و«سقم». هل ترى أنقرة في ذلك فرصة لتعزيز دورها كوسيط، أم خطرًا لتصعيد يقترب من حدودها؟

في النهاية، ربما يكون السؤال الأهم: هل ما زال العالم قادرًا على التعامل مع السياسة بوصفها سلسلة من المؤشرات المتراكمة، أم أننا دخلنا زمنًا تصبح فيه التصريحات المتقلبة جزءًا من طبيعة اللعبة نفسها؟ تصريح ترامب في أنقرة يفتح الباب على هذا السؤال: كيف نقرأ السياسة حين يصبح الكلام نفسه ساحة معركة، وحين يتحول الرئيس إلى لاعب يستخدم الجملة كما يستخدم الصاروخ، يطلقها ثم يترك الآخرين يتكهنون: هل هي بداية حرب، أم مجرد ضوضاء عابرة في قمة مكتظة بالميكروفونات؟

نص المقال المنشور بالإنجليزية في "ميدل ايست مونيتور"

https://www.middleeastmonitor.com/20260708-trump-and-iran-the-beginning-of-a-war-or-just-microphone-noise/

شارك:
الآراء المنشورة تعبّر عن كتّابها ولا تعكس بالضرورة موقف مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات.
كرم نعمة
كرم نعمة
كاتب عراقي