صراع الإنهاك الصفري
دخلت الصراعات الجيوسياسية الكبرى الراهنة مرحلة يمكن وصفها بـ"الإنهاك الصفري"؛ مرحلة لا يربح فيها أحد، ولا يملك فيها أي طرف القدرة على فرض نصر حاسم أو صياغة نهاية واضحة. لقد تحولت الحروب الحديثة إلى…
دخلت الصراعات الجيوسياسية الكبرى الراهنة مرحلة يمكن وصفها بـ"الإنهاك الصفري"؛ مرحلة لا يربح فيها أحد، ولا يملك فيها أي طرف القدرة على فرض نصر حاسم أو صياغة نهاية واضحة. لقد تحولت الحروب الحديثة إلى سباق طويل لا يبحث عن الفوز، بل عن تجنّب الهزيمة، وهو ما يجعلها أكثر استنزافاً وعبثية من أي وقت مضى. فالقوى الإقليمية والدولية المتورطة في النزاعات المعاصرة لم تعد قادرة على فرض شروطها النهائية. الجيوش تتحرك، والميليشيات تتوسع، والاقتصادات تنزف، لكن النتيجة النهائية ثابتة: لا منتصرون. هذا التحول البنيوي في طبيعة الصراع الدولي جعل العالم يعيش في نموذج جديد من “الحروب الدائمة منخفضة الشدة”، تلك التي لا تشتعل بما يكفي لتُحسم، ولا تنطفئ بما يكفي لتُنسى.
لم يعد العالم يبحث عن إنهاء الحروب، بل عن إبقائها ضمن مستوى يمكن التحكم به. فالحسم العسكري يعني تحمّل مسؤولية ما بعد الحسم. إعادة إعمار، بناء دولة، ضبط حدود، إدارة مجتمع. أما الإنهاك الصفري فيعفي الجميع من المسؤولية، ويحوّل الحرب إلى حالة معلّقة تُدار عن بُعد، بلا التزامات سياسية أو أخلاقية. هكذا يصبح استمرار النزاع أكثر راحة من إنهائه، وأكثر فائدة من حسمه. إنه منطق “الاستقرار عبر الفوضى”، حيث تتحول الحرب إلى أداة ضغط، لا إلى معركة لها نهاية.
ومعضلة "اللاحرب واللاسلم" التي رافقت حرب ترامب على إيران مثال صارخ. حرب أُعلنت بلا معركة، وصراعٌ بلا جبهة، ووعودٌ بلا نتائج. لم يحضر أحد إلى ميدان القتال، لكن الجميع تصرف كما لو أن الحرب دائرة. والنتيجة كانت نموذجاً مكثفاً لما يعيشه العالم اليوم. نزاع بلا نهاية، وتهديد بلا حدود، وغياب كامل لأي أفق سياسي. وما يبدو “عجزاً” في الحروب الحديثة ليس عجزاً دائماً، بل استراتيجية مقصودة. فالقوى الكبرى تدرك أن الحسم يعني التورط في مسؤوليات ثقيلة، بينما إدارة الصراع تمنحها القدرة على التحكم دون التزام. لذلك تتحول الحروب إلى ملفات مفتوحة، تُدار لا تُحلّ، وتُستثمر لا تُنهي.
هذا النوع من الصراعات يجرّ العالم نحو حالة خطيرة من "النزاعات المجمدة" التي تُبقي الأسواق العالمية في قلق دائم، وتغذي التضخم، وتربك سلاسل الإمداد، وتحوّل الطاقة إلى سلاح، والعملة إلى رهينة، والاقتصاد إلى ساحة حرب غير معلنة. إنها حروب لا تُطلق الرصاص دائماً، لكنها تُطلق الأسعار، وتُطلق الفوضى، وتُطلق الخوف. ويكفي النظر إلى خارطة العالم اليوم. حرب أوكرانيا التي دخلت عامها الثالث بلا أفق، غزة التي تحوّلت إلى نموذج صارخ لـ“الحرب التي لا يُسمح لها أن تنتهي”، اليمن الذي يعيش هدنة بلا سلام وحرباً بلا نصر، السودان الذي ينهار في صراع لا يريد أحد أن يحسمه. كل هذه النماذج تؤكد أن العالم يعيش في عصر الصراعات التي تُدار ولا تُحلّ، وأن الإنهاك الصفري لم يعد نتيجة، بل أصبح البنية الأساسية للحرب الحديثة.
وتتعمق الأزمة مع عجز المؤسسات الدولية — مجلس الأمن، الأمم المتحدة، المنظمات الإقليمية — عن فرض أي صيغة للسلام أو حتى هدنة مستدامة. لقد تحولت الدبلوماسية إلى أداة للمناكفة وتدوير الأزمات، لا لحلّها. وهكذا يفقد القانون الدولي ما تبقى من هيبته، وتتحول الشرعية الدولية إلى ورقة تستخدمها القوى الكبرى حين تشاء وتتجاهلها حين تشاء. أما الضحية الحقيقية لهذه الحروب بلا منتصرين فهي الشعوب. فبينما تنشغل النخب السياسية والعسكرية بإدارة النزاع، تدفع الطبقات الوسطى والفقيرة الثمن،أمنها المعيشي، استقرارها الاجتماعي، مستقبل أبنائها. إنها لحظة تتقاطع مع فكرة "استهلاك التعاسة"، حيث تتحول الأزمات إلى مورد سياسي، وتصبح المعاناة مادة قابلة للتدوير.
ويمكن رؤية ذلك بوضوح في الحالة الإيرانية. فترامب، رغم خطابه الصارخ، لم يساعد الشعب الإيراني كما وعد، ولم يقترب من إسقاط النظام الثيوقراطي القمعي، ولم يمنع إيران من تهديد جيرانها في الخليج العربي. بل إن إيران بعد الاتفاق أصبحت أكثر خطورة لأنها خرجت من الحرب بلا هزيمة، وبلا محاسبة، وبلا تغيير في بنيتها القمعية، لكنها خرجت أيضاً بقدرة أكبر على المناورة الإقليمية. وهنا يظهر ما يمكن تسميته "عقلانية القيادات" في القرن الحادي والعشرين، عقلانية تكشف في جوهرها عبثية سياسية تسمح ببقاء نظام قمعي يهدد الجميع، ثم تبرم معه اتفاقاً تحت ذريعة “مستقبل آمن للمنطقة”. إنها عقلانية لا تبحث عن حلول، بل عن إدارة الوقت، وتأجيل الانفجار، وتجميد الكارثة.
نص المقال المنشور بالإنجليزية في "ميدل ايست مونيتور"
https://www.middleeastmonitor.com/20260701-zero-sum-exhaustion-the-new-shape-of-global-conflict/

