مسعد بولص كم يؤذن لليبيين في مالطا!

عندما يفضّل مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولص أن يجتمع مع كبار المسؤولين من شرق وغرب ليبيا في مالطا، وليس في أي مدينة ليبية أخرى، فإنه يشبه تماماً من يؤذّن في مالطا، بينما…

كرم نعمةكرم نعمةكاتب عراقي21 يوليو 2026· 6 دقيقة قراءة
شارك:

عندما يفضّل مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولص أن يجتمع مع كبار المسؤولين من شرق وغرب ليبيا في مالطا، وليس في أي مدينة ليبية أخرى، فإنه يشبه تماماً من يؤذّن في مالطا، بينما الليبيون يصلّون على أذان مدنهم من طرابلس مروراً بمصراتة حتى بنغازي وسبها. المؤذّن في مالطا يرفع صوته في فضاء لا ينتظر الأذان ولا يعرف طقوسه، والليبيون اليوم لا ينتظرون نداءً من جزيرة صغيرة في المتوسط بقدر ما ينتظرون أن يسمعوا صوتهم هم في مدنهم، على أرضهم، في مؤسساتهم التي يفترض أن تكون هي صاحبة القرار في مصير بلدهم.

اختيار مالطا ليس تفصيلاً بروتوكولياً ولا مجرد ترتيبات لوجستية، بل هو تعبير سياسي مكثّف عن طبيعة المقاربة الأمريكية للأزمة الليبية. واشنطن لا تريد أن تدخل إلى قلب الانقسام الليبي، بل تفضّل أن تبقى على مسافة آمنة منه، تدير توازناته وتراقب خطوطه وتضبط إيقاعه، من دون أن تتحمل مسؤولية دفع الأطراف إلى تسوية حقيقية. المسافة بين طرابلس وبنغازي اليوم ليست جغرافية فقط، بل هي مسافة نفسية وسياسية ومصلحية، وكل اجتماع يعقد خارج ليبيا، وبالأخص في مكان رمزي مثل مالطا، يزيد هذه المسافة اتساعاً بدل أن يردمها. فحين يجتمع “الإخوة الخصوم” في مالطا، فإنهم يذهبون إليها بوصفهم ممثلين لمناطق وسلطات متنازعة، لا بوصفهم شركاء في دولة واحدة، ويعودون منها أكثر اقتناعاً بأن الحل لا يزال خارجهم، وأن عليهم انتظار إشارة جديدة من الخارج.

بيان بولص الذي وصف اجتماع مالطا بأنه “بناء” يعكس هذا النمط من اللغة التي اعتادت عليها الدبلوماسية الأمريكية: كلمات عامة عن “ليبيا الموحدة”، و”الاستقرار”، و”الشراكة الاقتصادية والأمنية”، من دون أن يقترب من جوهر المشكلة، ومن دون أن يقدّم ما يثبت أن واشنطن مستعدة فعلاً لدفع الأطراف الليبية إلى تنازلات مؤلمة تفتح الطريق أمام دولة واحدة ومؤسسات موحدة. فالمبادرة الأمريكية المتداولة، والتي تقوم على دمج حكومة الوحدة الوطنية مع الحكومة المكلفة من مجلس النواب، وتشكيل مجلس رئاسي جديد، ليست حلاً للأزمة بقدر ما هي إعادة هندسة للانقسام نفسه، وتثبيت له في صيغة جديدة تمنح كل طرف ما يكفيه ليبقى في اللعبة، من دون أن يتنازل عن امتيازاته التي منحتها له الفوضى.

في هذا السياق، يصبح اجتماع مالطا جزءاً من سلسلة طويلة من المؤتمرات والمبادرات التي عقدت خارج ليبيا: برلين ثلاث مرات، باريس مرتين، أبوظبي مرتين، جنيف ثلاث مرات، مروراً بالصخيرات وبوزنيقة المغربيتين. كلها رفعت شعار “الحل الليبي”، لكنها في الجوهر كانت تعيد إنتاج الأزمة نفسها، لأن الأطراف التي حضرتها لم تكن مستعدة للتخلي عن مميزات السيطرة على الأرض والسلاح والموارد والشرعية المزدوجة.

لم يكن الفشل فقط لأنها عقدت خارج ليبيا، بل لأن “الإخوة الخصوم” تعاملوا معها بوصفها محطات لتحسين مواقعهم التفاوضية، لا بوصفها فرصاً لإنهاء حالة الانقسام التي جعلت الأسرة الليبية التي تمتلك منزلين في طرابلس وبنغازي كأنها تعيش في بلدين منفصلين.

ما تطرحه واشنطن اليوم عبر بولص ليس خروجاً على هذا المسار، بل امتداداً له. فهي لا تبحث عن حل نهائي للأزمة الليبية، بل عن إدارة لها، وعن تعليق محسوب للوضع يمنع الانفجار الشامل، ويضمن في الوقت نفسه استمرار قدرة الولايات المتحدة على التأثير في ملف الطاقة، وفي حركة الهجرة، وفي التوازنات الإقليمية، من دون أن تضطر إلى الانخراط في عملية بناء دولة ليبية حقيقية. ليبيا بالنسبة لواشنطن ليست مشروع دولة يجب أن تكتمل، بل ملف يجب أن يبقى مفتوحاً، يمكن استخدامه كورقة ضغط على أوروبا، وعلى القوى الإقليمية، وعلى الخصوم الدوليين، من روسيا إلى غيرها.

من هنا يمكن فهم حرص بولص على الحديث عن “توحيد المؤسسات” من دون أن يقترب من السؤال الأهم: من سيدفع ثمن هذا التوحيد؟ من سيتخلى عن سلطته على الأرض؟ من سيقبل أن يتحول من زعيم منطقة أو قوة مسلحة إلى جزء من دولة لها مركز واحد وقرار واحد؟

ما هو متداول عن مبادرته يجيب عملياً: لا أحد. فدمج الحكومتين في حكومة واحدة برئاسة عبدالحميد الدبيبة، وتشكيل مجلس رئاسي جديد برئاسة صدام حفتر، يعني تثبيت الثنائية نفسها في شكل جديد، ويعني أن الانقسام سيستمر ولكن بواجهة مختلفة، وأن ليبيا ستبقى معلقة بين شرق وغرب، وبين حكومتين، وبين مشروعين، بينما يقال للعالم إن هناك “حلاً أمريكياً” قيد التنفيذ.

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي التقط هذه المفارقة عندما شدد على أن أي تسوية سياسية يجب أن تكون شاملة ومستدامة، وأن تتم عبر حوار مباشر بين المؤسسات الرسمية المعنية، ورفض حصر الحل في أطراف بعينها أو فرضه من الخارج. هذا الموقف لا يعبر فقط عن تحفظ على مبادرة بولص، بل يكشف إدراكاً ليبياً بأن كل حل يُصنع خارج ليبيا، وبعيداً عن مؤسساتها، سيبقى حلاً مؤقتاً، هشاً، يعيد إنتاج الانقسام في صورة جديدة. المنفي يدرك أن إشراك المؤسسات الرسمية في الحوار ليس مجرد مطلب شكلي، بل هو الشرط الوحيد لإنتاج توافق يمكن أن يصمد أمام ضغوط السلاح والمال والنفوذ المحلي والإقليمي.

لكن المشكلة لا تكمن في واشنطن وحدها، بل في الليبيين أنفسهم أيضاً. فالحل، ، بيد الليبيين إذا أرادوا ذلك، عبر التخلي عن المميزات التي منحتها لهم الفوضى، وعبر قبولهم بأن الدولة الواحدة لا يمكن أن تُبنى على أساس حكومتين، ولا على أساس مناطق متقابلة تتصرف كأنها دول مستقلة. كل مبادرة خارجية، أمريكية كانت أو غير أمريكية، ستظل تدور في حلقة مفرغة ما لم يقرر “الإخوة الخصوم” أن زمن الامتيازات الشخصية والجهوية قد انتهى، وأن استمرارها يعني عملياً استمرار تفكك ليبيا، وتحويلها إلى ساحة مفتوحة لتدخلات الخارج.

المؤذّن في مالطا، في المثل العربي الشهير، يبذل جهداً من دون طائل، يرفع صوته في فضاء لا ينتظر الأذان ولا يستجيب له. ومسعد بولص اليوم يؤذن في مالطا، بينما الليبيون يصلّون على أذان مدنهم، ويتحركون وفق حسابات قوتهم على الأرض، لا وفق ما يقال لهم في بيانات دبلوماسية تصدر من واشنطن أو من جزيرة صغيرة في المتوسط. كل اجتماع يعقد في مالطا أو في غيرها، من دون أن يلمس جذور الانقسام على الأرض، ومن دون أن يفرض على الأطراف الليبية أن تتخلى عن امتيازاتها، لن يكون سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من “الأذان في مالطا”، التي لا تغيّر شيئاً في واقع بلد يعيش منذ 2011 في حالة انتقالية دائمة، بين حكومتين، وبين شرعيتين، وبين مشروعين متنازعين على دولة واحدة لم تُمنح بعد فرصة أن تكون دولة فعلاً.

لذلك، فإن الدفاع عن فكرة أن بولص لا يمتلك، وربما لا تريد واشنطن أصلاً، أن تحل الأزمة الليبية، ليس موقفاً انفعالياً ولا قراءة متشائمة، بل هو استنتاج سياسي من مسار طويل من المبادرات التي لم تقترب من جوهر المشكلة. ما لم ينتقل مركز الثقل من مالطا وواشنطن وبرلين وباريس إلى طرابلس وبنغازي ومصراتة وسبها، وما لم يتحول الحوار من لقاءات مغلقة في فنادق الخارج إلى حوار مباشر بين المؤسسات الليبية على أرض ليبيا، سيبقى المؤذّن في مالطا يرفع صوته، وسيبقى الليبيون يصلّون في مدنهم، كلٌ على أذانه الخاص، في بلد واحد ممزق إلى بلدين، ينتظر حلاً لا يأتي لأنه لم يُقرَّر بعد أن يكون حلاً ليبياً قبل أن يكون مبادرة خارجية.

نص المقال المنشور بالإنجليزية في "ميدل ايست مونيتور"

https://www.middleeastmonitor.com/20260710-massad-boulos-like-a-man-calling-libyans-to-prayer-from-malta/

شارك:
الآراء المنشورة تعبّر عن كتّابها ولا تعكس بالضرورة موقف مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات.
كرم نعمة
كرم نعمة
كاتب عراقي