من هو الشرطي ومن هو الشيطان عند إيران؟
تبدو الحكاية التي رواها الأمير بندر بن سلطان عن لقائه بالمرشد الإيراني علي خامنئي، وكأنها مفتاح لفهم البنية العميقة للنفاق السياسي في السلوك الإيراني تجاه الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. يومها،…
تبدو الحكاية التي رواها الأمير بندر بن سلطان عن لقائه بالمرشد الإيراني علي خامنئي، وكأنها مفتاح لفهم البنية العميقة للنفاق السياسي في السلوك الإيراني تجاه الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. يومها، كما يروي بندر، أبدى خامنئي ترحيباً بالغاً به، وعرض عليه البقاء أياماً في طهران، لكن الأمير السعودي اعتذر لأنه مسافر في اليوم التالي إلى واشنطن، إلى “موعد مهم مع الشيطان الأكبر”. هنا ابتسم خامنئي في التعبير عن “غبطته” للسعودية على علاقتها بواشنطن، وقال للأمير بندر "كيف تصفهم بذلك أليسوا أصدقاء لكم"؟.
هذه الجملة وحدها تكفي لتعرية كثير من الشعارات التي تُرفع في طهران ضد أمريكا، وتكشف أن العداء المعلن ليس سوى أداة في لعبة النفوذ، لا مبدأً ولا عقيدةً ثابتة.
بهذه الصورة الافتتاحية يمكن قراءة البيان الأخير للحرس الثوري الإيراني الموجه إلى الشعب الأردني، والذي يطالب عمّان بإنهاء التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، بزعم أن ذلك “سيساعد في استعادة الأمن الإقليمي”. الحرس الثوري يؤكد في بيانه أنه لا يكن أي عداء للأردن، وأنه يقدر “الشعب النبيل”، ثم يربط بين إنهاء الوجود العسكري الأمريكي المحدود في منشآت أردنية وبين استعادة الأمن في المنطقة، وكأن المشكلة الأمنية في الشرق الأوسط تختزل في بضعة مئات من الجنود الأمريكيين في الأردن، لا في شبكات الميليشيات الإيرانية العابرة للحدود، ولا في الصواريخ التي تُطلق من أراضٍ عربية تحت نفوذ إيران، ولا في حروب الوكالة التي غذّتها طهران على مدى عقدين.
المفارقة الفاقعة هنا أن إيران التي تطالب الأردن اليوم بإنهاء التعاون مع واشنطن، هي نفسها التي نسجت مع الولايات المتحدة واحدة من أكثر علاقات “التخادم” وضوحاً في التاريخ الحديث للمنطقة، منذ لحظة احتلال العراق عام 2003. فإيران لم تكن مجرد متفرج على الغزو الأمريكي للعراق؛ بل استفادت منه، وساهمت في هندسة المشهد السياسي والأمني الجديد، عبر دعم قوى وأحزاب وميليشيات دخلت على ظهر الدبابات الأمريكية إلى بغداد، ثم تحولت لاحقاً إلى أدوات نفوذ إيراني داخل الدولة العراقية وخارجها. هذا التداخل بين الاحتلال الأمريكي والتمدد الإيراني لم يكن صدفة، بل كان تعبيراً عن تقاطع مصالح ظرفي، سمح لكل طرف بأن يستثمر في وجود الآخر، بينما تُرفع في العلن شعارات “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل”.
في العراق، لم تطالب طهران بإنهاء الوجود الأمريكي إلا بعد أن استكملت بناء شبكتها السياسية والأمنية، وبعد أن أصبح خروج القوات الأمريكية لا يهدد نفوذها، بل ربما يخدمه. أما في الحالة الأردنية، فالصورة مختلفة تماماً: لا يوجد احتلال أمريكي، ولا إدارة أمريكية تتحكم بمفاصل الدولة الأردنية، بل تعاون عسكري محدود، معلن، في إطار شراكة استراتيجية مع دولة ذات سيادة، تستخدم هذا التعاون لحماية أمنها وحدودها واستقرارها في بيئة إقليمية مضطربة. محاولة تصوير هذا التعاون على أنه “وجود عسكري يجب إنهاؤه لاستعادة الأمن” هي قلب للحقائق، وتوظيف انتقائي لمفهوم السيادة، يتجاهل أن السيادة الأردنية تُنتهك عملياً عندما تُستخدم أراضٍ في دول مجاورة لإطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة تهدد أمن الأردن وحدوده.
الازدواجية الإيرانية هنا ليست تفصيلاً، بل هي جوهر السردية الجديدة التي يحاول الحرس الثوري تسويقها للأردنيين. فمن جهة، تُقدَّم إيران كحارس للأمن الإقليمي، يطالب بإنهاء الوجود الأمريكي في منشآت أردنية، ومن جهة أخرى، تستمر طهران في إدارة شبكة من الميليشيات في العراق وسوريا ولبنان واليمن، تتحرك وفق حسابات الحرس الثوري، وتُستخدم في الضغط والابتزاز والتصعيد، بما يهدد أمن دول الجوار، ومنها الأردن نفسه. كيف يمكن لمن يمسك بفتيل التوتر في أكثر من جبهة أن يتحدث عن “استعادة الأمن” عبر طرد قوات أمريكية محدودة العدد من بلد لم يكن يوماً ساحة مواجهة مع إيران؟
ثم إن خطاب الحرس الثوري الموجه إلى “الشعب الأردني” يحمل في طياته محاولة واضحة لتجاوز الدولة الأردنية ومؤسساتها، وكأن إيران تريد أن تخاطب الشارع مباشرة، لتصنع لنفسها شرعية شعبية في بلد لا تربطها به علاقة طبيعية ولا تاريخ من الثقة المتبادلة. هذا الأسلوب في الخطاب ليس جديداً؛ فقد استخدمته طهران في أكثر من ساحة عربية، حيث تُخاطب “الشعوب” ضد “الأنظمة”، بينما تبني في الواقع علاقات براغماتية مع بعض هذه الأنظمة عندما يخدم ذلك مصالحها. هنا يعود معنى قصة الأمير بندر وخامنئي: في العلن “الشيطان الأكبر”، وفي الغرف المغلقة “نغبطكم على علاقتكم بواشنطن ونتمنى أن تستمر”.
السردية الإيرانية الجديدة تجاه الأردن تحاول أن تُلبس نفسها ثوب الدفاع عن السيادة العربية، لكنها تتجاهل أن السيادة ليست شعاراً يُرفع انتقائياً، بل هي منظومة متكاملة تبدأ باحترام حدود الدول، وعدم استخدام أراضيها أو أراضي جيرانها كمنصات لصراعات الآخرين. الأردن، الذي حافظ لعقود على سياسة متوازنة، ورفض الانجرار إلى محاور، يدرك أن أمنه الوطني لا يمكن أن يكون رهينة لمعادلات “التخادم” بين واشنطن وطهران، ولا لرسائل صاروخية تُطلق من هنا أو هناك. التعاون العسكري الأردني–الأمريكي ليس حباً في واشنطن ولا تبعية لها، بل هو جزء من حسابات أمنية وسياسية لدولة تحاول أن تحمي نفسها في محيط ملتهب، بينما تُترك وحيدة في كثير من الأحيان أمام موجات الفوضى.
في المقابل، تبدو الدعوة الإيرانية للأردن بإنهاء هذا التعاون وكأنها محاولة لإعادة رسم خريطة النفوذ في المشرق، عبر إضعاف حلقات الشراكة العربية–الغربية، وفتح ثغرات جديدة يمكن أن تتسلل منها مشاريع إقليمية على حساب استقرار الدول. المفارقة أن إيران لا تطالب الدول التي تستضيف ميليشياتها أو تسمح بمرور سلاحها بإنهاء هذا “الوجود العسكري غير النظامي”، لكنها تتحمس جداً عندما يتعلق الأمر بقوات أمريكية تعمل ضمن اتفاقيات رسمية مع دول ذات سيادة. هنا يظهر النفاق السياسي بأوضح صوره: ما يخدم نفوذ طهران مشروع، وما يحدّ منه مرفوض، حتى لو كان جزءاً من ترتيبات أمنية لدولة أخرى.
البيان الموجه إلى الأردنيين، بلغة “لا نكن لكم عداء ونحترم شعبكم النبيل”، يحاول أن يغطي هذه التناقضات بطبقة من المجاملة الدبلوماسية، لكنه لا يجيب عن السؤال الجوهري: كيف يمكن لمن تعاون مع واشنطن في إعادة تشكيل العراق، واستثمر في وجودها العسكري هناك، أن يطالب اليوم الأردن بقطع علاقة عسكرية محدودة مع الولايات المتحدة باسم “استعادة الأمن الإقليمي”؟ الأمن الإقليمي لا يُستعاد بالشعارات، ولا بتوجيه البيانات من خارج الحدود، بل بإعادة ضبط سلوك القوى الإقليمية نفسها، ووقف استخدام الساحات العربية كمسارح لحروب الوكالة.
في النهاية، ما تحاول إيران فعله عبر هذه السردية هو إعادة تعريف من هو “الشرطي” ومن هو “الشيطان” في المنطقة، لكن سجلها الطويل من الازدواجية يجعل هذه المهمة صعبة. فالدولة التي رفعت شعار “الموت لأمريكا” بينما تفاوضت معها في الكواليس، وتعاونت معها في ملفات محددة عندما اقتضت مصالحها ذلك، لا يمكن أن تقنع الأردنيين بأن بضعة جنود أمريكيين في منشأة عسكرية هي أصل البلاء في الإقليم. التناقض هنا ليس مجرد خطأ في الخطاب، بل هو بنية كاملة من النفاق السياسي، تكشفها قصة الأمير بندر وخامنئي كما يكشفها واقع العراق وسوريا ولبنان واليمن.
الأردن، في هذه المعادلة، ليس ساحة اختبار لشعارات الآخرين، بل دولة لها حساباتها ومصالحها وحقها في أن تختار شركاءها الأمنيين وفق ما تراه يخدم استقرارها. أما من يريد أن يتحدث عن “استعادة الأمن في المنطقة”، فالأجدر به أن يبدأ من مراجعة دوره في إشعال الحرائق، قبل أن يطالب الآخرين بإطفاء مصابيحهم.

