حين يتحول المرشد الأعلى إلى كرتون مقوى؟!

رجل غائب عن المشهد، وحاضر فيه على هيئة لوح كرتوني كبير، يحمله آخرون كما تحمل اللافتات في مناسبات الولاء السياسي. مشهد يبدو في ظاهره عابرا، لكنه في رمزيته اعمق من كثير من الخطب والبيانات، لأن الأنظمة…

صالح البيضانيصالح البيضانيكاتب وباحث سياسي8 يوليو 2026· 5 دقيقة قراءة
شارك:

رجل غائب عن المشهد، وحاضر فيه على هيئة لوح كرتوني كبير، يحمله آخرون كما تحمل اللافتات في مناسبات الولاء السياسي. مشهد يبدو في ظاهره عابرا، لكنه في رمزيته اعمق من كثير من الخطب والبيانات، لأن الأنظمة المغلقة لا تنكشف دائما عبر الهزائم العسكرية أو الأزمات الاقتصادية فقط، بل تنكشف أحيانا في تفصيل بصري صغير، حين يتحول الرمز الذي بنيت حوله سردية الهيبة إلى صورة جامدة محمولة بالأيدي.

في السياسة، ليست الصور مجرد زينة للمشهد. الصورة أحيانا تقول ما لا تستطيع السلطة قوله، وتفضح ما تحاول إخفاءه خلف الشعارات. وحين يستبدل الحضور الحقيقي بصورة كرتونية، فذلك لا يعني فقط أن صاحب الصورة غاب عن المكان، بل يعني أن السلطة نفسها باتت تبحث عن طريقة لتعويض الغياب، لا بالحضور، بل بالمجسم، ولا بالفعل، بل بالرمز، ولا بالثقة، بل بالاستعراض.

هكذا يتحول المرشد الأعلى، أو أي زعيم يصنع حوله فائض من القداسة السياسية، من مركز للقرار إلى قطعة ديكور في مسرح الولاء. لم يعد المهم أن يكون حاضرا، بل أن تبدو صورته حاضرة. ولم يعد الجمهور مطالبا بأن يسمع منه شيئا، بل أن يراه مرفوعا أمامه، ولو على لوح من الكرتون المقوى.

المفارقة أن الأنظمة التي تبالغ في صناعة الهيبه، هي نفسها التي تسرع في استهلاكها. فالهيبة لا تصنع بالأحجام الكبيرة، ولا بالصور العملاقة، ولا بالمواكب التي تحمل الوجوه كما تحمل الشعارات. الهيبة حين تكون حقيقية لا تحتاج إلى تضخيم بصري. أما حين تضعف، فإنها تبدأ في طلب المساعدة من المسرح: خلفية أكبر، صورة أعلى، هتاف أكثر، وحضور اصطناعي يملأ الفراغ الذي تركه الحضور الحقيقي.

في هذا المشهد، لا يبدو الكرتون مجرد مادة صلبة تسند صورة رجل، بل يبدو كأنه يسند نظاما كاملا. نظاما يخشى أن يظهر الغياب كما هو، فيصنع بديلا ورقيا للحضور. يخشى أن يكتشف الناس أن الرمز لم يعد كما كان، فيقدمه لهم بحجم أكبر من طبيعته. لكن السلطة حين تفعل ذلك تقع في الفخ نفسه الذي تحاول الهروب منه: كلما كبرت الصورة، صغرت الحقيقة التي تقف خلفها.

لقد قامت هذه الأنظمة الثيوقراطية في المنطقة على تحويل القائد إلى معنى فوق الدولة، وفوق المجتمع، وفوق النقد. لا يعود الزعيم في هذه الحالة مجرد رجل في موقع سياسي، بل يتحول إلى مرجع نهائي، وإلى صورة معلقة في الوعي العام، وإلى مركز تدور حوله اللغة والطقوس والولاءات. لكن هذه الصناعة، مهما بدت قوية، تظل هشة من الداخل، لأنها تربط الدولة بصورة شخص، وتربط السياسة بهالة، وتختزل المؤسسات في وجه واحد.

وحين تبدأ هذه الهالة في التآكل، لا يكون السقوط صاخبا بالضرورة. أحيانا يبدأ السقوط حين تحتاج الصورة إلى من يحملها، وحين تصبح القداسة السياسية معلقة على لوح كرتوني، وحين يغدو الرمز الذي يفترض أنه يحمل الدولة محمولا بأيدي رجال واقفين حوله.

هذه ليست سخرية من شخص بقدر ما هي قراءة في مأزق النموذج. فالنظام الذي يحتاج إلى صورة ضخمة كي يثبت أن رمزه ما زال حاضرا، يعترف ضمنيا بأن الحضور لم يعد بديهيا. والنظام الذي يرفع صورة قائده بهذه الطريقة، لا يقول فقط: هذا قائدنا. بل يقول من حيث لا يدري: نحن بحاجة إلى إقناعكم بأنه لا يزال هنا.

في لحظات القوة، تتحدث الأنظمة بثقة. أما في لحظات الارتباك، فتتحدث بالاستعراض. تخلط بين الحضور والصورة، وبين الشرعية والاحتشاد، وبين القوة وحجم اللافتة. لذلك تبدو المشاهد الرمزية، في أوقات الأزمات، أكثر صدقا من البيانات الرسمية. البيان يحاول ترتيب المعنى، أما الصورة فتفلت غالبا من الرقابة، وتقول الحقيقة دفعة واحدة.

والحقيقة التي تقولها هذه الصورة أن زمن الزعيم الذي لا يغيب بدأ يتآكل. ليس لأن خصومه قالوا ذلك، بل لأن نظامه اضطر إلى أن يستبدله بمجسم. وليس لأن الناس لم يعودوا يرون صورته، بل لأنهم باتوا يرونها أكثر مما ينبغي، وبطريقة تكشف الحاجة إلى إثبات ما كان يفترض أنه ثابت.

في السياسة، حين يتحول القائد إلى صورة، تكون السلطة قد دخلت مرحلة التمثيل. وحين تتحول الصورة إلى كرتون مقوى، تكون السلطة قد انتقلت من التمثيل إلى التعويض. وحين يصبح الكرتون هو الحاضر الأوضح في المشهد، فذلك يعني أن الفراغ لم يعد تفصيلا جانبيا، بل صار جزءا من بنية السلطة نفسها.

ليست المشكلة في الكرتون إذن، بل فيما يكشفه الكرتون. المشكلة في سلطة اعتادت أن تطلب من الناس الإيمان بالرمز، ثم وجدت نفسها مضطرة إلى حمل الرمز أمامهم كي لا يختفي. المشكلة في نظام يظن أن تكبير الصورة يعالج تصغير المعنى. والمشكلة في خطاب سياسي لا يزال يتحدث بلغة القوة، بينما تقف خلفه علامات وهن لا تحتاج إلى مترجم.

هكذا يصبح السؤال: كيف تحول المرشد الأعلى إلى كرتون مقوى؟

الجواب ليس في الصورة وحدها، بل في المسار الذي قاد إليها. حين تطغى القداسة على السياسة، وحين تتحول الدولة إلى ظل للمرشد، وحين يصبح الولاء أهم من الكفاءة، والصورة أهم من المؤسسة، والهالة أهم من الحقيقة، فإن النهاية الطبيعية لهذا كله أن ينفصل الرمز عن الواقع. يبقى الوجه مرفوعا، لكن المعنى يهبط. تكبر الصورة، لكن السلطة تصغر. يحضر الكرتون، ويغيب الإنسان.

ولعل أكثر ما في المشهد قسوة أنه لم يأت من خصوم النظام، بل من داخله. خصومه ربما كانوا سيبحثون عن استعارة كهذه طويلا، لكن السلطة قدمتها لهم جاهزة: مرشد أعلى، بحجم كبير، على لوح كرتوني، يحمله آخرون في احتفال عام. صورة تختصر المسافة بين فائض الهيبة ومأزقها، وبين الزعامة حين تكون مشروعا سياسيا، والزعامة حين تتحول إلى ملصق كبير في مسرح الولاء.

في النهاية، لا تسقط الرموز عندما تهاجم من الخارج فقط. أحيانا تسقط عندما يبالغ أصحابها في حمايتها، وعندما يضعونها في غير موضعها، وعندما يحولونها من حضور سياسي إلى مجسم دعائي. عندها لا يعود الكرتون مجرد أداة عرض، بل يصبح وثيقة سياسية صامتة عن نظام لم يعد يثق بما يكفي في حضوره، فقرر أن يصنع له نسخة مقواه.

ولا شيء أكثر تعبيرا عن هشاشة السلطة من أن تحتاج إلى كرتون كي تثبت أنها ما زالت واقفة.

شارك:
الآراء المنشورة تعبّر عن كتّابها ولا تعكس بالضرورة موقف مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات.
صالح البيضاني
صالح البيضاني
كاتب وباحث سياسي