ماهان.. طائر الخراب وجسر الاختبار الحوثي
ليست طائرة ماهان الإيرانية مجرد طائرة عابرة في سجل الرحلات بين صنعاء وطهران. في اليمن، بعض الطائرات لا تحمل ركابا فقط، بل تحمل إشارات سياسية، وتفتح مسارات، وتعلن عن انتقالات لا تبدأ عادة ببيان رسمي،…
ليست طائرة ماهان الإيرانية مجرد طائرة عابرة في سجل الرحلات بين صنعاء وطهران. في اليمن، بعض الطائرات لا تحمل ركابا فقط، بل تحمل إشارات سياسية، وتفتح مسارات، وتعلن عن انتقالات لا تبدأ عادة ببيان رسمي، بل بصورة على مدرج مطار، أو بخبر مقتضب عن وفد غادر أو وصل.
هكذا كانت طائرة ماهان في مارس 2015، حين هبطت في مطار صنعاء بعد الانقلاب الحوثي وسيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة. يومها لم تكن الرحلة حدثا جويا عاديا، بل كانت ختم الاعتراف الإيراني العملي بالسلطة الجديدة التي فرضتها الميليشيا في صنعاء. جاءت الطائرة محملة بما قيل إنه مساعدات وفرق طبية، لكنها سياسيا كانت تحمل ما هو أثقل من ذلك: انتقال العلاقة بين طهران والحوثيين من طور الدعم الخفي إلى طور الظهور العلني، ومن مستوى الاستثمار في جماعة مسلحة إلى مستوى التعامل معها كذراع سياسي وعسكري قابل للاستخدام في خرائط الإقليم.
اليوم تعود ماهان إلى المشهد من زاوية أخرى. لم تعد الصورة لطائرة تهبط في صنعاء لتدشين خط سياسي جديد بعد الانقلاب، بل لطائرة تنقل قيادات حوثية إلى طهران، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، وبعد سنوات من الحرب والهدنة المعلقة، والضربات البحرية، وتآكل الحدود بين الصراع المحلي والحسابات الإقليمية. لذلك تبدو الرحلة، أيا كانت روايتها الرسمية أو الإنسانية أو الطبية، أكثر من تفصيل بروتوكولي. إنها إشارة اختبار، ورسالة موجهة إلى أكثر من طرف، ومحاولة لفتح مسار جديد في مرحلة لم تعد حربا كاملة، لكنها لم تصبح سلما حقيقيا.
ولم يتأخر الحوثي في كشف البعد السياسي للرحلة. فحين يخرج ناطقه مهددا دول الجوار، ومؤكدا في الوقت نفسه أن الرحلات بين مطاري صنعاء وطهران ستستمر، فإننا لا نكون أمام دفاع عن حق مدني في السفر، بل أمام إعلان تحدٍّ سياسي وأمني. فالرسالة واضحة: الجماعة تريد تحويل خط صنعاء ـ طهران إلى أمر واقع، ومن يعترض على هذا الأمر الواقع سيكون، في منطقها، هدفا محتملا للابتزاز أو التصعيد. هنا لا يعود المطار منشأة مدنية، بل يتحول إلى منصة اختبار لحدود الإقليم، ولا تعود الرحلة وسيلة نقل، بل تصبح أداة قياس لمقدار ما تستطيع الجماعة فرضه تحت سقف التهدئة.
واللافت أن الحوثي يصر، في 2026 كما في 2015، على تقديم الجسر الجوي المفتوح بين صنعاء وطهران بوصفه علامة نصر، لا بوصفه تفصيلا لوجستيا. فهو يدرك أن الرحلة المباشرة إلى إيران تحمل في خطابه معنى يتجاوز الطيران المدني؛ إنها إعلان رمزي بأن صنعاء التي انتزعها بقوة السلاح أصبحت قابلة للربط المباشر بمركز القرار الإيراني، وأن العزلة التي يفترض أن تحاصر الانقلاب يمكن كسرها بصورة طائرة تهبط أو تقلع. لذلك يحتفي الحوثي بالخط الجوي كما لو أنه اعتراف سياسي، ويقدمه لجمهوره كدليل على أن مشروعه لم يعد محاصرا، وأن طهران ليست داعما بعيدا بل ظهيرا حاضرا فوق مدرج صنعاء.
لكن هذا الإصرار لا يخاطب الداخل وحده. إنه أيضا اختبار محسوب لدرجة تقبل الإقليم. ففي كل مرة يدفع الحوثي بطائرة بين صنعاء وطهران، يراقب حجم الاعتراض، وطبيعة الرد، وحدود الصمت، ومدى استعداد الأطراف الإقليمية والدولية للتعامل مع الأمر كواقع جديد. فإذا مرّت الرحلة بلا كلفة، تحولت إلى سابقة؛ وإذا تكررت، تحولت السابقة إلى مسار؛ وإذا استمر المسار، صار جزءا من معادلة التفاوض. هكذا يفكر الحوثي: لا ينتزع الاعتراف دفعة واحدة، بل يراكم الوقائع الصغيرة حتى تصبح أمرا يصعب التراجع عنه.
ومن هنا تصبح ماهان، في الوعي الحوثي، أكثر من طائرة. إنها أداة اختبار سياسي ونفسي. في 2015 كانت الجماعة تختبر إن كان الإقليم سيتعامل مع انقلابها كحدث عابر أم كخطر استراتيجي. وفي 2026 تختبر إن كان الإقليم سيسمح بتحويل مرحلة اللا حرب واللا سلم إلى غطاء لربط صنعاء بطهران بصورة منتظمة. الفرق أن الرحلة الأولى جاءت في لحظة اندفاع انقلابية سبقت الحرب، أما الرحلة الجديدة فتأتي في لحظة رمادية يحاول الحوثي فيها أن يحصد مكاسب الحرب من دون أن يذهب إليها، وأن ينتزع مكاسب السلام من دون أن يلتزم به.
يعرف الحوثي أن الإقليم يعيش لحظة إنهاك استراتيجي. لا أحد يريد حربا واسعة في اليمن، ولا أحد يريد في الوقت نفسه أن يمنح الجماعة اعترافا نهائيا بانقلابها وسلاحها وسلطتها المفروضة. وبين هذين الحدين تتحرك الميليشيا بمهارة ابتزازية واضحة: لا تقدم نفسها كطرف ذاهب إلى تسوية وطنية، ولا تتصرف كقوة مستعدة للعودة إلى الحرب الشاملة. إنها تختبر المساحة الرمادية الواقعة بين الحرب والسلام، وتحاول تحويلها إلى وضع دائم: لا حرب تنهي مشروعها، ولا سلام يلزمها بتنازلات الدولة.
في هذه المساحة تحديدا تكمن خطورة الرحلة. فالطائرة لا تعني فقط انتقال قيادات إلى طهران، بل تعني اختبارا لمستوى حساسية الإقليم تجاه عودة الممرات المباشرة بين صنعاء وطهران. هل يستطيع الحوثي أن يعيد إنتاج خط سياسي وجوي وأمني مع إيران تحت غطاء إنساني أو دبلوماسي؟ هل يمكنه أن يفرض أمرا واقعا جديدا تحت عنوان التهدئة؟ وهل تستطيع طهران أن تقول للإقليم إن صنعاء لم تعد ورقة حرب فقط، بل منصة تفاوض وضغط ومناورة في آن واحد؟
الأخطر أن الحوثي يحاول نقل النقاش من سؤال الشرعية إلى سؤال القوة. لا يريد من دول الجوار أن تسأل: بأي حق تفتح هذه الرحلات؟ وتحت أي سلطة؟ وبأي ضمانات أمنية؟ بل يريدها أن تنشغل بسؤال آخر: ماذا سيحدث إذا عارضناها؟ هذه هي طبيعة الابتزاز الحوثي في لحظته الراهنة. إنه لا يقدم مسارا سياسيا واضحا، ولا ضمانات أمنية، ولا التزاما بمقتضيات السلام، بل يلوح بالتصعيد كلما طلب منه أن يتصرف كطرف مسؤول.
منذ انقلابه، لم يتعامل الحوثي مع الممرات الجوية والبحرية بوصفها أدوات حياة لليمنيين، بل بوصفها مفاتيح سلطة. المطار عنده ليس منشأة مدنية، والميناء ليس بوابة اقتصادية، والطرق ليست شرايين مجتمع. كل منفذ يتحول في يده إلى ورقة تفاوض، وكل مساحة إنسانية تتحول إلى مجال للمقايضة. لذلك لا يمكن قراءة أي حركة مباشرة بين صنعاء وطهران خارج سياق الاستخدام السياسي للمنافذ، ولا خارج الذاكرة القريبة التي بدأت بطائرة ماهان وانتهت بسنوات من عسكرة القرار اليمني وربطه بالمحور الإيراني.
يريد الحوثي اليوم أن يقول للإقليم إن مرحلة ما بعد الهدنة ليست بالضرورة مرحلة سلام، بل يمكن أن تكون مرحلة إدارة طويلة للاشتباك. مرحلة يظل فيها السلاح جاهزا، والبحر مفتوحا على التهديد، والحدود قابلة للاختبار، والمفاوضات معلقة على شروط الجماعة لا على شروط الدولة. هذه هي معادلة "اللا حرب واللا سلم" التي يريد تثبيتها: هدنة تكفي لمنع سقوطه، لكنها لا تكفي لاستعادة الدولة؛ تهدئة تخفف عنه الضغط العسكري، لكنها تمنحه وقتا لإعادة التموضع؛ واتصالات إقليمية تمنحه مظهرا سياسيا من دون أن تجرده من بنيته الميليشياوية.
في المقابل، تستخدم إيران الحوثي بالطريقة ذاتها التي استخدمت بها أدواتها الأخرى في المنطقة: لا تدفعه دائما إلى الحرب الكاملة، ولا تسمح له بالاندماج الكامل في تسوية مستقرة. تبقيه في منطقة قابلة للاشتعال عند الحاجة، وقابلة للتهدئة عند الحاجة، وقابلة للبيع على طاولة التفاوض عند الحاجة. ولهذا تبدو طائرة ماهان، في رمزيتها، أقرب إلى رسالة تشغيل من كونها رحلة نقل. فكلما صعدت طهران أو تفاوضت، احتاجت إلى إظهار أن لها يدا على باب المندب، وورقة على البحر الأحمر، وسلطة أمر واقع في صنعاء تستطيع تحريكها متى شاءت.
وحين يقترن خط الطيران المباشر مع خطاب تهديد لدول الجوار، يصبح المشهد أكثر وضوحا. فالحوثي لا يطلب ممرا مدنيا معزولا عن الصراع، بل يريد ممرا سياسيا محميا بفائض القوة. يريد أن يفتح الباب لطهران، ثم يمنع الإقليم من الاعتراض. يريد أن يحول مطار صنعاء إلى مساحة سيادية خاصة بجماعته، لا تخضع لمنطق الدولة اليمنية ولا لحسابات الأمن الإقليمي. وهذا بالضبط ما يجعل الرحلة خطرة: ليس لأنها تحمل قيادات حوثية فحسب، بل لأنها تحمل معها محاولة لتطبيع علاقة عسكرية وسياسية غير طبيعية بين جماعة انقلابية ودولة راعية لها.
لكن المشكلة أن الحوثي، وهو يختبر الإقليم، يختبر أيضا حدود صبر اليمنيين. فكل مسار خارجي جديد يفتحه لا يمر عبر مؤسسات الدولة ولا عبر مصلحة المجتمع، بل عبر احتياجات الجماعة وعلاقتها بطهران. وكل مرة يحاول فيها أن يقدم نفسه كسلطة طبيعية، يعيد تذكير اليمنيين بأنه لم يصل إلى الحكم عبر تفويض وطني، بل عبر انقلاب جر البلاد إلى حرب طويلة ومجاعة وانقسام وانهيار. لذلك فإن الرحلات التي يحتفي بها إعلامه كدليل حضور، يقرأها كثير من اليمنيين كدليل ارتهان.
إن تكرار صورة ماهان بين 2015 واليوم لا يعني أن التاريخ يعيد نفسه بالطريقة ذاتها، لكنه يعني أن الأدوات القديمة ما زالت حاضرة. في 2015 جاءت الطائرة لتكريس الانقلاب وفتح الباب أمام مرحلة الحرب. واليوم تعود الصورة لتكريس وضع أكثر تعقيدا: لا يريد الحوثي أن يعلن الحرب كما في السابق، ولا يريد أن يدخل السلام كما يجب. يريد أن يبقى في منطقة وسطى تمنحه مكاسب الطرف السياسي وامتيازات الطرف المسلح، وتجعله قادرا على مخاطبة الوسطاء بلغة التهدئة، ومخاطبة الإقليم بلغة التهديد، ومخاطبة إيران بلغة التبعية الوظيفية.
ولهذا فإن السؤال ليس: هل تكرر ماهان تاريخها؟ السؤال الأهم: هل يسمح الإقليم بتكرار الخطأ نفسه ولكن بصورة أكثر نعومة؟ ففي المرة الأولى جرى التعامل مع كثير من الإشارات بوصفها تفاصيل قابلة للاحتواء، ثم تحولت التفاصيل إلى حرب مفتوحة. أما اليوم، فإن تجاهل الإشارات الصغيرة قد يفتح الباب أمام تثبيت معادلة أخطر من الحرب نفسها: معادلة سلطة مسلحة تعيش على الهدنة، وتفاوض باسم السلام، وتستعد للحرب، وتربط اليمن بمصالح طهران أكثر مما تربطه بمصالح اليمنيين.
الطائرة التي هبطت في صنعاء قبل أكثر من عقد كانت نذير حرب. والطائرة التي حملت قيادات حوثية إلى طهران اليوم قد تكون نذير مرحلة مختلفة: مرحلة لا يريد فيها الحوثي أن يسقط في الحرب، ولا أن يلتزم بالسلام، بل أن يحكم من داخل الفراغ بينهما. وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام الإقليم واليمنيين معا: ألا تتحول التهدئة إلى غطاء لشرعنة السلاح، وألا يتحول المسار الإنساني إلى ممر سياسي لإيران، وألا يصبح مطار صنعاء بوابة جديدة لإعادة هندسة الانقلاب تحت اسم المرحلة القادمة.
فالسلام الذي لا ينهي وظيفة السلاح ليس سلاما، والتهدئة التي تمنح الميليشيا وقتا لإعادة التموضع ليست حلا، والرحلات التي تبدأ باسم الضرورة قد تنتهي، كما حدث من قبل، بفتح باب واسع أمام نفوذ لا يغادر بسهولة.
ماهان ليست مجرد طائرة. إنها ذاكرة سياسية تطير من جديد، وجسر اختبار بين صنعاء وطهران، يحاول الحوثي أن يقدمه لجمهوره كعلامة نصر، وأن يفرضه على الإقليم كأمر واقع. وبين 2015 و2026 لا تتغير وظيفة الطائرة كثيرا؛ تتغير المرحلة فقط. في الأولى كانت نذير حرب، وفي الثانية قد تكون نذير مرحلة أخطر: لا حرب كاملة، ولا سلام حقيقي، بل مسار مفتوح لابتزاز الإقليم من مدرج صنعاء إلى بوابة طهران.

