هل الحوثي مستعد للحرب؟
في كل مرة ترتفع فيها حدة التوتر في اليمن أو الإقليم، يحرص الحوثيون على الظهور بمظهر الطرف الواثق من نفسه، المستعد للمواجهة، والقادر على تحدي الجميع. تتصدر عبارات الوعيد نشراتهم الإخبارية، وتمتلئ…
في كل مرة ترتفع فيها حدة التوتر في اليمن أو الإقليم، يحرص الحوثيون على الظهور بمظهر الطرف الواثق من نفسه، المستعد للمواجهة، والقادر على تحدي الجميع. تتصدر عبارات الوعيد نشراتهم الإخبارية، وتمتلئ منصاتهم بخطابات الصمود والانتصار، حتى يبدو للمراقب أن الجماعة تتجه إلى الحرب وهي أكثر اطمئنانا من أي وقت مضى.
لكن السياسة لا تقرأ من مكبرات الصوت، وإنما من حركة الأقدام في الممرات الخلفية.
فبعيدا عن الضجيج الإعلامي، تبدو الصورة أكثر تعقيدا. فالجماعة التي ترفع سقف خطابها إلى أقصى مدى، تخفضه في غرف التفاوض، وتبدو أكثر استعدادا للمناورة منها للمواجهة. وبينما تتحدث أمام جمهورها بلغة القوة، فإنها ترسل عبر الوسطاء رسائل مختلفة، يغلب عليها البحث عن مخارج أكثر من البحث عن معارك.
والسبب ليس غامضا. فالقيادة الحوثية تدرك أن أي حرب واسعة في الظرف الإقليمي والدولي الراهن قد لا تكون في صالحها. فالمشهد تغير، والهوامش التي كانت متاحة في سنوات سابقة أصبحت أضيق، كما أن البيئة الدولية لم تعد تتسامح مع إطالة أمد الصراعات بالقدر نفسه، فضلا عن أن أي تصعيد كبير قد يحمل كلفة عسكرية وسياسية واقتصادية يصعب احتواؤها.
ولهذا تبدو الجماعة حريصة على صناعة انتصارات رمزية تعوض غياب الانتصارات الميدانية. فعودة الطائرة الإيرانية التي أقلت وفدا حوثيا من صنعاء إلى طهران لم تكن حدثا استراتيجيا بقدر ما كانت مادة إعلامية يراد توظيفها لإقناع الأنصار بأن الحصار قد كسر، وأن الجماعة ما تزال قادرة على فرض إرادتها. إنها انتصارات معنوية تستهدف رفع المعنويات في الداخل، بقدر ما تستهدف بث رسائل الإحباط في معسكر الخصوم.
ومن يتابع سلوك الحوثيين خلال السنوات الأخيرة يلاحظ نمطا يكاد يتكرر باستمرار. فكلما اقتربت الجماعة من اختبار صعب أو شعرت بأن موازين القوى لا تميل لصالحها، أعادت إحياء ملف خارطة الطريق، وأبدت مرونة مفاجئة في بعض تفاصيله، ثم ما تلبث أن تعود إلى خطابها التصعيدي متى ما خفت الضغوط أو تبدلت الظروف.
غير أن الخطأ الذي يقع فيه بعض المراقبين هو تفسير هذا السلوك باعتباره تحولا حقيقيا نحو السلام. فالمؤشرات العملية لا توحي بأن الجماعة أعادت النظر في مشروعها أو تخلت عن خيار القوة، بقدر ما توحي بأنها تتعامل مع مسار التفاوض باعتباره أداة سياسية لإدارة الصراع، وكسب الوقت، وتحسين شروطها، وامتصاص الضغوط الإقليمية والدولية كلما تصاعدت احتمالات المواجهة. فالتفاوض، في هذه القراءة، ليس بديلا عن مشروعها، وإنما أحد أدوات حمايته.
ولهذا فإن كل جولة تفاوض لا تعني بالضرورة اقتراب السلام، كما أن كل خطاب تصعيدي لا يعني بالضرورة اقتراب الحرب. فالحوثيون يوظفون المسارين معا ضمن استراتيجية واحدة؛ يصعدون عندما يرون أن التصعيد يعزز موقعهم، ويتفاوضون عندما يصبح التفاوض أقل كلفة من المواجهة، أو عندما يحتاجون إلى تخفيف الضغوط الخارجية وإعادة ترتيب أوراقهم.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يريد الحوثي الحرب؟ بل: هل يستطيع تحمل نتائجها؟
حتى الآن، تبدو المؤشرات أقرب إلى أن الجماعة تفضل الاحتفاظ بصورة المقاتل المستعد للحرب، أكثر من رغبتها في خوض حرب جديدة بكل ما تحمله من مخاطر. فهي تدرك أن خسارة صورة القوة قد تكون مكلفة أمام جمهورها، لكنها تدرك أيضا أن كلفة الحرب نفسها قد تكون أكبر بكثير.
ولهذا يمكن فهم كثير من مواقفها الأخيرة باعتبارها محاولة دقيقة للجمع بين خطاب يتحدى في العلن، وسلوك يناور في الكواليس. فالتحدي يخاطب الأنصار، أما التفاوض فيخاطب ميزان القوى. وبين الاثنين، تحاول الجماعة أن تؤجل لحظة الاختبار الحقيقي، لأن الحرب التي تلوح بها اليوم قد تكون، في حساباتها، أكثر خطرا عليها من خصومها.

