الشرعية اليمنية تحمي سماء العالم !
حين تتصدى الشرعية اليمنية لمحاولات تسيير خط طيران مباشر بين مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي وإيران، فإنها لا تدافع عن سيادة اليمن وحده، ولا تخوض معركة إجرائية تتعلق بتصاريح الهبوط والإقلاع، بل تقف في…
حين تتصدى الشرعية اليمنية لمحاولات تسيير خط طيران مباشر بين مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي وإيران، فإنها لا تدافع عن سيادة اليمن وحده، ولا تخوض معركة إجرائية تتعلق بتصاريح الهبوط والإقلاع، بل تقف في مواجهة مشروع يريد تحويل الأجواء اليمنية إلى ممر مفتوح بين ميليشيا مسلحة والحرس الثوري الإيراني.
المسألة أكبر من طائرة، وأخطر من رحلة جوية، وأبعد من أن تختصر في خلاف سياسي بين الحكومة اليمنية والحوثيين.
الطيران بين الدول لا يقوم على رغبة جماعة مسلحة، ولا يخضع لقرار زعيم ميليشيا، ولا يدار عبر تفاهمات سرية بين وكلاء عسكريين خارج سلطة القانون. الطيران المدني جزء من سيادة الدولة، يخضع للاتفاقيات الدولية، ولإجراءات أمنية وجمركية ورقابية دقيقة، لأن الطائرة لا تنقل المسافرين فقط، بل قد تنقل الأموال والمعدات والأشخاص والمواد التي تهدد أمن الدول والمجتمعات.
فكيف يمكن التعامل مع خط جوي مباشر بين جماعة انقلابية مسلحة وبين دولة تتهم منذ سنوات بدعمها وتزويدها بالسلاح والخبراء والتقنيات العسكرية، وكأنه خط سفر اعتيادي بين عاصمتين؟
إن السماح بفتح هذا الممر يعني عمليا منح الحوثيين منفذا جويا مستقلا عن الدولة اليمنية، ومنح الحرس الثوري الإيراني جسرا مباشرا إلى قلب اليمن، بعيدا عن رقابة الحكومة الشرعية ومؤسساتها. كما يعني تكريس واقع خطير تصبح فيه الميليشيا قادرة على إدارة المطارات والحدود والمنافذ وكأنها دولة معترف بها، بينما تتحول الدولة الحقيقية إلى مجرد متفرج على انتهاك سيادتها.
ومن يعتقد أن القضية يمنية داخلية لا يرى الصورة كاملة. العالم كله يقوم على قاعدة واضحة: الحدود والمطارات والموانئ تخضع للدول، لا للجماعات المسلحة. وإذا سمح المجتمع الدولي بانتهاك هذه القاعدة في اليمن، فإنه يفتح الباب أمام سابقة لا تتوقف نتائجها عند صنعاء أو طهران.
تخيلوا أن يصبح من حق كل جماعة مسلحة أن تدير مطارا، وأن تفتح خطوطا جوية مع الجهات التي تمولها، وأن تنقل عناصرها ومعداتها بعيدا عن رقابة الدول. تخيلوا شبكات بيع السلاح والمخدرات والجماعات الإرهابية وهي تتنقل بين المطارات التي تسيطر عليها الميليشيات، تحت غطاء رحلات مدنية، ومن دون تفتيش حقيقي أو مساءلة قانونية.
كيف سيكون شكل العالم حينها؟ لن تعود المطارات بوابات سفر، بل ستتحول إلى ممرات آمنة للجريمة المنظمة والإرهاب العابر للحدود. ولن تبقى السيادة مفهوما قانونيا محترما، بل ستصبح امتيازا تحصل عليه الجماعة الأكثر تسليحا، لا الدولة التي يعترف بها القانون الدولي.
لهذا فإن موقف الحكومة اليمنية من هذا الخط لا ينبغي أن يقدم باعتباره تعطيلا للسفر أو تضييقا على المدنيين، كما تحاول الدعاية الحوثية تصويره. حماية المدنيين لا تكون بتسليم مطاراتهم لميليشيا، ولا بتحويل حاجاتهم الإنسانية إلى غطاء لعلاقات عسكرية وأمنية مشبوهة.
ومن حق اليمنيين أن يسافروا من مطاراتهم، لكن من حقهم أيضا أن تكون هذه المطارات تابعة للدولة اليمنية، وأن تخضع الرحلات لإشراف قانوني وأمني واضح، وألا تتحول إلى بوابات مفتوحة أمام الحرس الثوري وشبكات التهريب.
الحوثيون يريدون أن يحصلوا على مزايا الدولة من دون أن يتحملوا مسؤولياتها. يريدون مطارات وموانئ وعلاقات خارجية وخطوط طيران، لكنهم يرفضون تسليم السلاح، ويرفضون الخضوع للدستور، ويرفضون الاعتراف بسلطة الدولة ومؤسساتها.
وهنا تكمن خطورة المشروع. إن فتح خط جوي مباشر مع إيران ليس إجراء إنسانيا، بل خطوة سياسية وأمنية تستهدف تثبيت سلطة الأمر الواقع، ومنحها اعترافا عمليا يتجاوز أي اتفاق سياسي. فإذا أصبحت الميليشيا قادرة على إدارة علاقاتها الجوية الخارجية، فما الذي يتبقى من مفهوم الدولة اليمنية؟
الدفاع عن السيادة لا يكون بالشعارات، بل بمنع تحويل المنافذ السيادية إلى أدوات بيد الجماعات المسلحة. والحكومة اليمنية حين ترفض هذا المسار لا تدافع عن موقع سياسي أو مكسب حزبي، بل تدافع عن حق اليمنيين في استعادة دولتهم، وعن حق العالم في ألا تتحول سماؤه إلى طرق مفتوحة أمام الميليشيات والإرهاب والجريمة المنظمة.
قد يبدو الأمر للبعض مجرد رحلة، لكنه في الحقيقة اختبار لحدود الفوضى التي يمكن للعالم أن يتسامح معها.
فإذا نجحت ميليشيا الحوثي في فرض ممر جوي مباشر مع الحرس الثوري الإيراني، فلن يكون الخاسر هو اليمن وحده، بل كل دولة تعتقد أن حدودها ومطاراتها وسيادتها محمية بالقانون.
السيادة لا تتجزأ، ومن يتهاون في انتهاكها في صنعاء، قد يجد الفوضى غدا تحط في مطار آخر.

