أقنعة البارود: عن مسرحية "الفصيل واللواء" في عراق أحزاب وميليشيات إيران

هل حقاً تعتقدون أن المسافة بين الفصيل الولائي و الحشد الشعبي في العراق، أكبر من المسافة بين طهران وقُم؟ أم أن البارود عندما يسقط من السماء يتطلب فجأة فقه التمييز بين بندقية تُطلق بمرسوم، وبندقية تقتل…

كرم نعمةكرم نعمةكاتب عراقي29 يوليو 2026· 3 دقيقة قراءة
شارك:

هل حقاً تعتقدون أن المسافة بين الفصيل الولائي و الحشد الشعبي في العراق، أكبر من المسافة بين طهران وقُم؟ أم أن البارود عندما يسقط من السماء يتطلب فجأة فقه التمييز بين بندقية تُطلق بمرسوم، وبندقية تقتل بفتوى؟

جاء القصف الأمريكي-السعودي الأخير لمعسكرات الميليشيات ليخرج الصراصير من الشقوق. سقطت الصواريخ على المواقع الحقيقية، فتطاير مع الغبار شيء أكبر من الخسائر المادية: تطايرت التقية. سمعنا العويل المعتاد عن "السيادة"، وعن "استهداف المؤسسات الرسمية"، وعن الفرق "الموهوم" بين الحشد كمنظومة أمنية تابعة لرئيس الحكومة، والميليشيات الولائية كفصائل خارجة عن القانون. يا للكوميديا السوداء.

من يستغفلون؟ يجلسون في الصباح خلف مكاتب الدولة برتب عسكرية ورواتب تُدفع من قوت الجياع، وفي الليل يرتدون أقنعة الموت ليطلقوا المسيّرات نحو أربيل و السعودية، أو يزرعون العبوات لناشط طالَب بماء صالح للشرب. يريدون أن يقنعوا العالم بأن هناك "حشداً مقدساً" يتبع الدولة، و"فصائل مقاومة" تعمل بمفردها.

تقسيم أدوار مكشوف، وضحك على الذقون الملطخة بدماء العراقيين. الحقيقة التي يعرفها كل طفل في بغداد، وتتجاهلها بيوت التحليل السياسي المصابة بالعماء الشديد: لا يوجد حشدان، ولا توجد بندقيتان؛ هناك عقيدة طائفية واحدة مارست قتل العراقيين على الهوية، ومرجع واحد، ومموّل واحد يجلس في طهران. سواء أسميت القاتل "حشداً شعبيّاً"، أو "كتائب"، أو "عصائب"، أو "نجباء"؛ الأيديولوجيا هي ذاتها والتنفيذ واحد.

تذرّعوا أول الأمر بالدفاع عن المذهب، وما أسهل المذهب عندما يُتخذ درعاً للنهب، وما أرخص الدم عندما يُساق في حروب الآخرين. تحت هذا الشعار المتآكل، مارست هذه المجاميع الطائفية أبشع صور الموت على الهوية. لم يكتفوا بالعراق، عبّروا الحدود إلى سوريا ليذبحوا الأطفال والنساء باسم المقاومة، وتحولوا من مدّعين لحماية المراقد إلى مرتزقة حراسة لعرش الولي الفقيه.

القتل عندهم ليس هامشاً، بل هو جوهر المشروع، والمقابر الجماعية لم تكن خطأً إجرائياً، بل كانت سياسة تمكين. ثم يطل علينا ناطق باسمهم اليوم لينوح على "السيادة العراقية". أي سيادة؟ السيادة التي استُبيحت يوم حُوّلت أراضي العراق إلى منصة إطلاق صواريخ لحساب ولاية الفقيه؟ أم السيادة التي دُنست يوم صُور العراق كأنه مجرد محافظة إيرانية خلفية؟

القصف الأخير لم يكن مجرد حدث عسكري، كان كاشفاً ضوئياً كشف العورة السياسية للجميع. عندما تُضرب المقرات، يتساقط القناع؛ يظهر اللواء في الحشد هو نفسه القائد في الفصيل، والسيارة المصفحة التابعة للدولة هي ذاتها التي تنقل الصواريخ، والميزانية التي تُستقطع من موازنة العراقيين هي ذاتها التي تُشترى بها المسيّرات لخدمة أجندة إيران الإقليمية.

كفّوا عن السذاجة المفتعلة، وكفّوا عن توزيع أدوار "المعتدل" و"المتطرف" داخل بيئة واحدة تُدار بريموت كونترول إيراني.

عراق إيران ليس فيه مؤسسات، فيه معسكرات ملحقة، وفيه مأجورون ألبسوهم أزياء رسمية كي يمارسوا الجريمة بختم حكومي.

سقطت التقية، ومات السحرة، ولم يعد في الجراب ما يُغطي عورة التبعية.

شارك:
الآراء المنشورة تعبّر عن كتّابها ولا تعكس بالضرورة موقف مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات.
كرم نعمة
كرم نعمة
كاتب عراقي