اليمن وعقدة "ولي الولي"
لم تكن الطائرة التي هبطت في مطار صنعاء صباح الجمعة الفائتة مجرد رحلة نقل مدني عابرة، رغم كل ما حاولت مليشيا الحوثي إلباسه من طابع إنساني للحدث. طائرة "ماهان إير" الإيرانية، الخاضعة لعقوبات واشنطن منذ…
لم تكن الطائرة التي هبطت في مطار صنعاء صباح الجمعة الفائتة مجرد رحلة نقل مدني عابرة، رغم كل ما حاولت مليشيا الحوثي إلباسه من طابع إنساني للحدث. طائرة "ماهان إير" الإيرانية، الخاضعة لعقوبات واشنطن منذ عام 2011 بتهمة تقديم دعم لوجستي للحرس الثوري، قطعت المسافة بين طهران وصنعاء في أول رحلة معلنة من نوعها منذ سنوات، ثم عادت أدراجها، لتكشف عن تصعيد محسوب، وذريعة جاهزة لتتوعد باستهداف المطارات السعودية إن تكرر ما أسمته الحوثية "خرقاً لأجوائها".
هذه ليست سابقة معزولة في سجل "ماهان إير"، الشركة التي أثارت رحلاتها إلى فنزويلا الجدل الدولي لسنوات، والتي وُظّفت مراراً كأداة نقل لوجستي تتفادى بها طهران المساءلة المباشرة عن شحنات مشبوهة؛ حذرت واشنطن ودول أخرى من أن الشركة الإيرانية تُستخدم كذراع لوجستي لنقل شحنات عسكرية مجهولة، فنيين، ومعدات طائرات مسيرة.
كما أن الميليشيا الحوثية لم تكن يوماً مشروعاً وطنياً بالمعنى الذي تحاول تسويقه، فقبل وبعد انقلابها على الدولة اليمنية وظفت هذه المليشيا كاستثمار إيراني في الجغرافيا قبل أن تكون استثماراً في السياسة. اليمن، بموقعه المطل على باب المندب وبوابته على جنوب الجزيرة العربية، منح طهران ما لم تستطع الحصول عليه بالوسائل التقليدية: منصة ضغط على الملاحة الدولية، وورقة تهديد لا تحتاج لتوقيع اسم إيران عليها مباشرة، وظيفتها مناوشة العالم وإشغاله وتهديده، بما يحول دون تعرض إيران لأي ضربة محتملة بسبب خلافها مع الغرب على برنامجها النووي. وقد استخدمت طهران هذه الورقة غير الموقّعة مراراً، فاستهدفت الملاحة البحرية بالصواريخ والمسيّرات كلما اقتضت الحاجة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا توارت الحوثية عن الدفاع عن إيران وهي تتلقى قصفاً مدمراً من الطيران الأمريكي؟ الإجابة تكمن في الوظيفة نفسها؛ فما رأيناه من سلوك حوثي إبان الحرب الأمريكية-الإيرانية الأخيرة لم يكن تناقضاً، بل امتداداً طبيعياً لمنطق الأداة ذاته. ففي الوقت الذي كانت فيه إيران تتلقى ضربات موجعة طالت حتى مرشدها الأعلى، اختفت الميليشيا الحوثية بشكل لافت عن المشهد التصعيدي، ببساطة لأن الوظيفة التي أُنشئت من أجلها -الدرع الواقي عبر التهديد بالوكالة- لم تعد ذات جدوى في تلك اللحظة بالذات. وما إن بدأت طهران تتحسس طريقها نحو تسوية توقف الحرب، حتى عادت الورقة اليمنية إلى الواجهة، وكأن ساعة التصعيد أعيد ضبطها بمجرد أن استقر الوضع الإيراني نسبياً.
هذا النمط من التوظيف لا يمكن فهمه بمعزل عن البنية العقائدية التي أرستها طهران داخل الجماعة نفسها. فالحوثية لم تكتفِ بأن تكون ذراعاً عسكرية، بل أعادت تشكيل نفسها كنسخة مصغرة من النموذج الإيراني، بولي فقيه محلي هو عبدالملك الحوثي، لكنه ولي فقيه تابع للخامنئي كلولي فقيه أعلى، يخضع الولي اليمني في نهاية المطاف لمرجعية طهران العليا. هذه البنية بالذات هي ما يجعل أي حديث عن تسوية سياسية شاملة في اليمن أقرب إلى المربع المستحيل. فالتسوية، بحكم تعريفها، تفترض شراكة سياسية بين اليمنيين على قدم المساواة، وهذا بالضبط ما يتعارض جوهرياً مع فكرة الزعامة المقدسة التي بُني عليها المشروع الحوثي بأكمله. سلام حقيقي يعني تفكيك الهالة، وتفكيك الهالة يعني انهيار المشروعية، وهذا تحديداً ما تدركه الحوثية وتقاومه بكل ما أوتيت من قوة.
وهنا تكمن عقدة الحوثية الحقيقية: فهي محاصرة بين طريقين، كلاهما يهددها في الصميم. السلام يهددها لأنه يفرض عليها التنازل عن الهالة المقدسة والدخول في شراكة سياسية حقيقية تتساوى فيها مع بقية اليمنيين، وهذا انتحار بالنسبة لمشروع بُني كله على فكرة الزعامة الإلهية غير القابلة للمساءلة. والحرب الداخلية تهددها أيضاً، لأن الجماعة تدرك في قرارة نفسها أنها لا تملك مقومات الحسم العسكري الشامل داخل اليمن، وأنها ستخسر بسهولة أي مواجهة مفتوحة مع اليمنيين. فتمثل الحل بالنسبة لها بالهروب من الاستحقاقين معاً نحو مسار ثالث: تصدير التهديد إلى خارج الحدود، نحو الإقليم والملاحة الدولية والعالم. المنطق الذي تراهن عليه الجماعة بسيط في ظاهره: أن يشعر اليمنيون أنفسهم، وحلفاؤهم الإقليميون، بأن استمرار الحرب المحلية يجلب معه كلفة دولية باهظة، فيضطرون إلى وقف قتالهم ضدها تفادياً لتوسع رقعة الأزمة. وبذلك تحصل الحوثية، عبر هذه المناورة، على ما تريده فعلاً: ليس السلام الذي يهددها، ولا الحرب الداخلية التي تخشى نتائجها، بل حالة وسطى هجينة، لا سلم فيها ولا حرب حاسمة، وهي بالضبط البيئة التي تضمن للمشروع الحوثي أطول عمر ممكن، لأنها تبقيه بعيداً عن استحقاق الحسم في أي من الاتجاهين.
موقف التحالف العربي، ظل حتى اللحظة واضحاً في خطوطه العريضة: ردع متناسب مع كل مغامرة حوثية، استناداً إلى تفويض يمني شرعي وغطاء دولي يرفض العبث بأمن الملاحة الدولية وتهديد الإقليم والعالم. وقد أثبتت الأشهر الأخيرة متانة هذا الموقف عملياً، حين واجهت السعودية تهديداً إيرانياً مباشراً هذه المرة، بصواريخ باليستية ومسيّرات استهدفت أراضيها، فامتصت الضربة، لتثبت أن دولة بحجم وقدرات السعودية لديها من مقومات الصمود والرد المباشرما لا يهمها معه تهديد حوثي يقاتل أصلاً بسلاح إيراني الصنع والتوجيه، ولا يملك من مقومات القوة الذاتية ما يوازي ولو جزءاً بسيطاً مما واجهته المملكة واحتوته.
لكن التحدي الأكبر الذي تكشفه واقعة الطائرة الإيرانية ليس عسكرياً بقدر ما هو بنيوي: فطالما بقيت معادلة "ولي الولي" قائمة، سيظل أي هدوء ميداني هدنة مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة تقرر فيها طهران أن حساباتها الإقليمية تستدعي إعادة تفعيل الورقة اليمنية. وهذا الدرس بالذات استوعبه المجتمع الدولي، وإن متأخراً؛ ففي عام 2018م انساق إلى الضغط من أجل وقف عملية تحرير الحديدة من قبضة الحوثيين، وتُوّج ذلك الضغط باتفاق ستوكهولم، على قاعدة أن تجميد المعركة سيفتح الباب أمام تسوية أشمل. لكن الوقائع اللاحقة كشفت أن ذلك التدخل، بدل أن يقرّب السلام، منح الحوثية فسحة زمنية استثمرتها في ترسيخ سيطرتها وإعادة تسليح نفسها، فأدرك المجتمع الدولي متأخراً أن ضغطه ذاك لم يكن سوى تأجيل مكلف لاستحقاق سيتكرر بصورة أخطر مستقبلاً. والسؤال الذي يفرض نفسه على أي مسار تفاوضي مقبل هو: هل يمكن أصلاً الحديث عن سلام يمني-يمني، بينما مفتاح القرار الحوثي لا يزال، في نهاية المطاف، محفوظاً في طهران؟

