ماهان في آخر رحلة لها إلى اليمن
لم تكن المرة الثانية مثل الأولى. حين هبطت طائرة "ماهان إير" الإيرانية في مطار صنعاء يوم الجمعة الثالث من يوليو الجاري، اكتفت الحكومة اليمنية الشرعية بالاحتجاج الدبلوماسي: بيان إدانة، وصف للحادثة…
لم تكن المرة الثانية مثل الأولى. حين هبطت طائرة "ماهان إير" الإيرانية في مطار صنعاء يوم الجمعة الثالث من يوليو الجاري، اكتفت الحكومة اليمنية الشرعية بالاحتجاج الدبلوماسي: بيان إدانة، وصف للحادثة بأنها "انتهاك صارخ للسيادة"، ودعوة لجلسة طارئة في مجلس الأمن الدولي. لكن حين حاولت الشركة ذاتها تكرار الرحلة اليوم الاثنين، كان الرد مختلفاً جوهرياً: صواريخ على مدرج مطار صنعاء نفسه، لا بيانات فقط.
هذا التحول من الاحتجاج إلى الفعل العسكري المباشر يستحق التوقف عنده، لأنه يكشف أن الحكومة الشرعية استوعبت الدرس الذي تحدثنا عنه في مقالة سابقة: فكل تهدئة مع الحوثي، أو مع الجهة التي تقف خلفه، تُقرأ من طهران كضعف قابل للاستثمار. الرحلة الأولى فتحت الباب، والثانية جاءت لتجس نبض مصداقية المنع: هل كان الباب مجرد استثناء عابر، أم قاعدة جديدة يمكن تكرارها؟ الإجابة العسكرية على الأرض كانت حاسمة: لا.
اللافت في تفاصيل الحادثة أن الطائرة، بعدما أُجبرت على تغيير مسارها إثر الغارات على مدرجي الهبوط والإقلاع، أطفأت أنظمة تتبعها الملاحي فوق محافظة ذمار المتاخمة لصنعاء جنوباً، قبل أن تعيد تفعيلها منحرفة غرباً نحو الحديدة المطلة على البحر الأحمر. هذه المناورة، التي استغرقت أقل من ربع ساعة طيران، لم تكن ارتجالاً، بل تبدو خطة بديلة جاهزة مسبقاً، أشبه بما تفعله الطائرات التي تتحسب لاحتمال منعها من الهبوط في وجهتها الأساسية. لقد سهَّل قرب مسافة الطيران بين صنعاء والحديدة على الطائرة الإيرانية الإفلات من المدرج المستهدف نحو ملاذ بديل جُهِّز مسبقاً.
ومع ذلك، فإن الإفلات التكتيكي لا يعني الانتصار الاستراتيجي. صحيح أن وكالة الأنباء الإيرانية "فارس" سارعت لوصف هبوط الطائرة في الحديدة بأنه كسر لما تدعي بأنه "حصار مفروض على اليمن"، وصحيح أن المتحدث العسكري باسم الحوثي يحيى سريع اعتبر الغارة على مطار صنعاء إنهاءً لـ"مرحلة خفض التصعيد" متوعداً بالرد، لكن هذا الخطاب الإعلامي يخفي هزيمة تكتيكية حقيقية: الهدف المعلن للحكومة الشرعية لم يكن منع الطائرة من الوصول لأي بقعة يمنية، بل تحديداً منعها من ترسيخ مطار صنعاء كممر جوي منتظم بين طهران والحوثي. وهذا الهدف تحقق فعلياً، لأن نجاح الطائرة في الإفلات إلى الحديدة هذه المرة لا يعني بالضرورة أن الباب سيبقى مفتوحاً هناك مستقبلاً؛ فبعدما أثبتت التجربة أن الحديدة يمكن أن تكون محطة بديلة جاهزة، من المرجح أن تُدرجها الحكومة الشرعية ضمن معادلة الردع ذاتها التي طبّقتها على صنعاء، بحيث يصبح مدرجا المطارين معاً، لا صنعاء وحدها، هدفاً محتملاً لأي محاولة هبوط قادمة. فالرسالة التي أرادت الحكومة إيصالها لم تكن قاصرة على حماية رمزية العاصمة فحسب، بل امتدت لتأكيد أن أي منفذ جوي بديل، مهما كان موقعه، سيُعامل بالمنطق ذاته إن تحول إلى قناة منتظمة بين طهران والحوثي.
هنا تكمن الرسالة الحقيقية التي أرادت الحكومة إيصالها، لا فقط للحوثي، بل لطهران مباشرة: أن مطار صنعاء تحديداً، بما يمثله من رمزية سيادية، لن يتحول إلى نسخة جوية مما تحاول إيران فعله تاريخياً عبر البحر. فقد أنفق العالم سنوات في إحكام الطوق على منافذ التهريب البحرية عبر ميناء الحديدة نفسه، ولم يكن مقبولاً أن يُفتح فجأة منفذ جوي بديل يعيد تصدير نفس المعضلة من زاوية مختلفة. وبإغلاق هذا الباب مبكراً، وقبل أن يتحول لسابقة متكررة، ضمنت الحكومة أن الكلفة الأمنية لأي محاولة قادمة ستكون أعلى من أي فائدة دعائية عابرة يجنيها الحوثي من "استقبال بطولي" لطائرة إيرانية.

