الحوثية من داخل فيلق القدس
هناك عبارة تختصر ما آلت إليه استراتيجية إيران الإقليمية أكثر من أي تحليل مطول: "الخنق المزدوج". هكذا وصفت مراكز دراسات متخصصة المشهد الذي تشكّل تدريجياً في السنوات الأخيرة، حيث تحول مضيقان دوليان،…
هناك عبارة تختصر ما آلت إليه استراتيجية إيران الإقليمية أكثر من أي تحليل مطول: "الخنق المزدوج". هكذا وصفت مراكز دراسات متخصصة المشهد الذي تشكّل تدريجياً في السنوات الأخيرة، حيث تحول مضيقان دوليان، هرمز من الشرق وباب المندب من الغرب، إلى فكّي كماشة واحدة تديرها جهة واحدة: طهران. والمفارقة أن هذا المشروع، الذي بدأ تحت راية "تحرير القدس"، انتهى إلى تحويل فلسطين نفسها من قضية مركزية إلى مجرد إحدى الساحات الست في معادلة أوسع، لا تُقاس أولويتها بمصلحة الفلسطينيين، بل بحسابات الردع الإيراني الكلية.
المهندس الفعلي لمشروع "وحدة الساحات" لم يكن حزب الله أو حماس، بل فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني التي تأسست مطلع تسعينيات القرن الماضي لتتولى مهمة واحدة محددة: تشكيل وتدريب وتوجيه الميليشيات الموالية لطهران خارج الحدود الإيرانية. والعقيدة التي قام عليها الفيلق منذ تأسيسه واضحة في جوهرها: إيران تدرك أنها لا تستطيع مجاراة التفوق العسكري التقليدي لخصومها بالأسلوب ذاته، فلجأت بدل ذلك إلى حرب لا تُخاض مباشرة، حيث تُدار المواجهة عبر وكلاء محليين، بينما تُدار العمليات فعلياً من خلف الستار بخبراء ومستشارين، وتُستخدم واجهات ثقافية واقتصادية ومدنية لتغطية النشاط الخارجي.
وقد جسّد هذه العقيدة أبرز قادة الفيلق، الجنرال قاسم سليماني، بمقولته الشهيرة عن "خلق الفرص من الأزمات المظلمة"، أي استثمار الفوضى والانهيار في أي بلد عربي كفرصة لبناء نفوذ دائم، لا كأزمة يجب المساعدة على حلها. هذا المنطق بالتحديد هو ما يفسر لماذا توسّع الفيلق تاريخياً في لبنان والعراق وسوريا واليمن تحديداً في اللحظات التي كانت فيها الدولة المركزية في كل من هذه البلدان في أضعف حالاتها، لا في أقواها.
هنا تكمن المفارقة الأخطر. فالدعم الإيراني لم يكن يوماً حياداً تجاه سيادة الدول المضيفة، بل كان يقوم بالضرورة على إضعافها. حين تُبنى ميليشيا موازية للجيش الوطني، بتمويل وتسليح أجنبي وولاء عقائدي يتجاوز حدود الدولة، فإن النتيجة الحتمية ليست "مقاومة إضافية"، بل مؤسسة مسلحة تتفوق تدريجياً على الدولة نفسها، وتُصبح قرارها بالحرب والسلم مرهوناً بحسابات خارجية لا بمصلحة وطنية داخلية. هذا ما حدث في لبنان، حيث فاق حزب الله قدرات الجيش اللبناني ذاته. وحدث في العراق عبر فصائل الحشد الشعبي الموالية. وتكرر بالتطابق التام في اليمن.
فالحوثي لم يكن يوماً حركة إصلاح داخلي، بل كما وثّقت تحقيقات صحفية متعددة، تلقى دعماً عسكرياً ولوجستياً إيرانياً منذ الحروب الست بين الجماعة والدولة اليمنية بين عامي 2004 و2009، قبل الانقلاب على الشرعية بسنوات طويلة. سفينتا "جيهان 1" و"جيهان 2"، اللتان ضُبطتا محمّلتين بالسلاح الإيراني قبل أكثر من عقد، كانتا الدليل المبكر على أن ما يُسوَّق كـ"مقاومة شعبية محلية" كان في جوهره مشروعاً مسلحاً بالوكالة، يديره خبراء من الحرس الثوري وحزب الله يشرفون مباشرة على العمليات. وحين انقلبت الجماعة على الدولة اليمنية عام 2014، لم تكن تبني بديلاً وطنياً، بل كانت تُفرغ مؤسسات الدولة اليمنية من مضمونها لصالح بنية موازية تدين بالولاء لطهران أولاً.
والمحصلة أن كل دولة استضافت مشروعاً من هذا النوع خرجت أضعف لا أقوى: سوريا ولبنان والعراق واليمن جميعها عانت من تفكك مؤسسي وانقسامات طائفية وحروب أهلية بدل "مقاومة حقيقية". والأهم أن هذا الإضعاف لم يكن عرضياً، بل شرطاً بنيوياً لنجاح المشروع الأكبر: فكلما ضعفت الدولة المركزية في هذه البلدان، أصبحت أكثر قابلية لاستيعاب ميليشيا موازية تخوض حروب إيران بالوكالة باعتبارها ليست أكثر من وحدات في فيلق القدس الإيراني، بعيداً عن أي مساءلة مباشرة لطهران نفسها. هذا بالضبط ما يفسر لماذا لم تتطور أي من هذه الساحات نحو استقرار سياسي حقيقي رغم عقود من الخطاب "التحرري": لأن الاستقرار والمؤسسات القوية يتعارضان جوهرياً مع منطق الوكالة العسكرية الذي تحتاجه طهران.
وهنا تصل الحلقة إلى أخطر تداعياتها. فالدول العربية المحيطة بإسرائيل كانت تاريخياً الثقل العسكري والسياسي الذي جعل القضية الفلسطينية قضية عربية جامعة لا شأناً فلسطينياً معزولاً. حين استُنزفت سوريا ولبنان والعراق في صراعات داخلية غذّتها المشاريع الوكيلة ذاتها التي فرّختها عقيدة فيلق القدس، تحولت فلسطين تدريجياً من قضية تحرر وطني تحظى بإجماع عربي فعلي إلى "راية أيديولوجية" يستخدمها كل طرف بما يخدم مصالحه. الخطاب الإيراني المناهض لإسرائيل ظل صاخباً، لكنه لم يُترجم يوماً إلى تحرير فعلي لشبر واحد من الأرض الفلسطينية، بل استُخدم لتلميع مشروع إقليمي أوسع هدفه النفوذ لا التحرير.
بعبارة أخرى: حين تُقاس أولوية فلسطين بمعيار "هل تخدم حسابات الردع الإيراني الكلية الآن؟" بدل "هل تخدم مصلحة الشعب الفلسطيني؟"، تصبح القضية رهينة لتوقيت الملف النووي الإيراني، أو لحسابات ما بعد مقتل خامنئي، أو لأي متغير إقليمي آخر لا علاقة مباشرة له بغزة أو الضفة. وهذا بالضبط ما حوّل فلسطين من غاية إلى أداة.
في يونيو 2026، وبعد أشهر من مقتل خامنئي وتصاعد الحرب الإقليمية، أعلن قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني صراحة عن تشكيل ما وصفه بـ"حزام أمني جديد" يمتد من هرمز إلى باب المندب، مثنياً على ما وصفه بـ"التحرك القوي وفي الوقت المناسب" الذي قام به الحوثيون، ومؤكداً أن "أطرافاً أخرى ستنضم إذا اقتضت الضرورة". هذا التصريح ليس مجرد خطاب حماسي، بل إقرار رسمي بأن الحوثي لم يعد ذراعاً يمنية محلية، بل عنصراً مدمجاً بالكامل في عقيدة "الخنق المزدوج": إيران تتحكم بهرمز من جهتها الشرقية، والحوثي يتحكم بباب المندب من جهته الغربية، وكلاهما جزء من منظومة ضغط واحدة على الاقتصاد العالمي، لا مجرد تهديدين منفصلين يصادف أنهما يقعان في المنطقة ذاتها.
بعد أكثر من ثلاثة عقود على تأسيس فيلق القدس، يكشف هذا المسار مفارقة قاسية: المشروع الذي رفع شعار تحرير فلسطين انتهى إلى إضعاف بالضبط تلك الدول العربية التي كان يمكنها يوماً أن تشكل ثقلاً حقيقياً في نصرتها، وحوّل القضية نفسها إلى بند ثانوي في أجندة أوسع تديرها طهران بمنطق الردع والنفوذ لا بمنطق التحرير. وما يجري اليوم في مضيقي هرمز وباب المندب ليس سوى الفصل الأحدث من هذه القصة: حيث لم تعد المضائق الدولية تُدار بمنطق الأمن الملاحي المشترك، بل أصبحت أدوات ضغط في يد مشروع إقليمي واحد، يستخدم فلسطين شعاراً، ويستخدم اليمن ولبنان والعراق أدوات، ولا يخسر في النهاية سوى الشعوب التي استُنزفت دولها لخدمة معركة ليست معركتها الحقيقية.
الآراء المنشورة تعبّر عن كتّابها ولا تعكس بالضرورة موقف مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات.

عزت مصطفى
باحث سياسي يمني
