من صعدة إلى البحر الأحمر: كيف حوّل الحوثيون حرب غزة إلى فرصة للشرعنة الإقليمية؟
لم تكن حرب غزة بالنسبة لجماعة الحوثي مجرد حدث سياسي أو إنساني عابر يمكن استثماره في إطار التضامن الإعلامي التقليدي مع القضية الفلسطينية، بل بدت، بالنسبة للجماعة، فرصة استراتيجية نادرة لإعادة تعريف…
لم تكن حرب غزة بالنسبة لجماعة الحوثي مجرد حدث سياسي أو إنساني عابر يمكن استثماره في إطار التضامن الإعلامي التقليدي مع القضية الفلسطينية، بل بدت، بالنسبة للجماعة، فرصة استراتيجية نادرة لإعادة تعريف موقعها السياسي والعسكري والأيديولوجي داخل معادلات المنطقة.
فخلال سنوات الحرب اليمنية، ظل الحوثيون يُقدَّمون في الخطاب الإقليمي والدولي باعتبارهم جماعة انقلابية مرتبطة بإيران، تسيطر بالقوة على أجزاء واسعة من اليمن، وتشكل تهديدًا للاستقرار الداخلي ولدول الجوار، وفي مقدمتها السعودية. لكن بعد السابع من أكتوبر، بدأت الجماعة عملية إعادة تموضع واسعة، حاولت من خلالها الانتقال من صورة “الميليشيا المحلية” إلى صورة “الفاعل الإقليمي” المنخرط في معادلات الصراع الكبرى في الشرق الأوسط.
وقد أدرك الحوثيون مبكرًا أن حرب غزة تمثل لحظة سياسية وعاطفية استثنائية في الوعي العربي والإسلامي، وأن الانخراط المباشر في معادلاتها يمكن أن يمنحهم ما عجزت سنوات الحرب اليمنية عن منحه، وهو إعادة إنتاج الشرعية السياسية والرمزية خارج الحدود اليمنية.
إعادة توظيف الجماعة إقليميًا
من هنا، لم يكن التصعيد الحوثي في البحر الأحمر مجرد خطوة عسكرية معزولة، بل جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تعريف الجماعة ودورها ووظيفتها الإقليمية.
لكن فهم هذا التحول لا يكتمل دون العودة إلى الجذور الأولى للمشروع الحوثي، والطريقة التي تطورت بها الجماعة تدريجيًا من حركة دينية محلية محدودة التأثير في جبال صعدة، إلى قوة عسكرية وسياسية تمتلك القدرة على التأثير في أمن الملاحة الدولية والتوازنات الإقليمية.
ففي بدايات الألفية، لم يكن الحوثيون يُنظر إليهم باعتبارهم مشروعًا قادرًا على إعادة تشكيل اليمن أو تهديد الإقليم. كانت الجماعة آنذاك محصورة في نطاق جغرافي ضيق داخل محافظة صعدة، وتبدو، بالنسبة لكثير من القوى السياسية اليمنية، حالة تمرد محلية مرتبطة بخلافات مذهبية وسياسية محدودة.
وعندما اندلعت أولى جولات الصراع مع الحكومة اليمنية عام 2004، ساد اعتقاد بأن الحسم العسكري كفيل بإنهاء الجماعة خلال فترة قصيرة. غير أن ما حدث لاحقًا كشف أن الحوثيين كانوا يديرون الصراع بعقلية مختلفة، مستفيدين من التناقضات السياسية، ومن فترات الحوار والتهدئة، لإعادة بناء قدراتهم والاستعداد لمراحل أكثر تأثيرًا في مسار الصراع.
فالجماعة لم تتعامل مع الحروب الست في صعدة باعتبارها معارك نهائية، بل باعتبارها مسارًا تراكميًا طويلًا لبناء القوة وإعادة إنتاج النفوذ. وبعد كل جولة صراع، كان الحوثيون يخرجون أكثر تنظيمًا وتسليحًا وخبرة، وأكثر قدرة على اختراق البنية القبلية والعسكرية والسياسية في اليمن.
لقد أدرك الحوثيون مبكرًا أهمية “إدارة الزمن” في الصراع، وفهموا أن التوسع لا يتحقق بالضرورة عبر الحسم السريع، بل عبر استنزاف الخصوم، واستثمار التناقضات الداخلية، وتوظيف الهدن والتسويات المرحلية كمساحات لإعادة التموضع.
ومن هنا، فإن الصعود الحوثي لم يكن حدثًا مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة تراكم تدريجي بدأ من صعدة، ثم تمدد إلى عمران، وصولًا إلى صنعاء في سبتمبر 2014، قبل أن تفرض الجماعة سيطرتها على أجزاء واسعة من شمال اليمن.
يكشف هذا المسار جانبًا بالغ الأهمية في طبيعة المشروع الحوثي؛ فهو مشروع لا يتحرك بعقلية الدولة التقليدية، بل بعقلية “الحركة العقائدية” التي تنظر إلى الصراع باعتباره مسارًا مفتوحًا لإعادة تشكيل المجال السياسي والجغرافي وفق رؤيتها الخاصة.
ولعل هذا ما يفسر قدرة الجماعة على التكيف مع التحولات الإقليمية والدولية المختلفة، وإعادة إنتاج خطابها وأدواتها وفق متطلبات كل مرحلة.
فبعد سنوات من تقديم نفسها كحركة “مظلومية زيدية” داخل اليمن، أعادت الجماعة تقديم نفسها لاحقًا كجزء من “الثورة ضد الوصاية الخارجية”، ثم كقوة مواجهة للتحالف العربي، وأخيرًا كجزء من “محور المقاومة” المرتبط بغزة والصراع مع إسرائيل.
تمثل هذه القدرة على إعادة تعريف الذات سياسيًا وإعلاميًا واحدة من أهم نقاط القوة لدى الحوثيين، لأنها تمنح الجماعة مرونة عالية في الانتقال من خطاب محلي إلى خطاب إقليمي، ومن قضية داخلية إلى قضية عابرة للحدود.
وفي هذا السياق، جاءت حرب غزة لتمنح الحوثيين فرصة استثنائية لإعادة التموضع. ففي اللحظة التي كان فيها العالم العربي يعيش حالة غضب غير مسبوقة تجاه إسرائيل، دخل الحوثيون على خط الصراع عبر عمليات استهداف السفن في البحر الأحمر، مقدمين أنفسهم باعتبارهم الطرف العربي الذي انتقل من الخطاب إلى الفعل العسكري المباشر.
اختراق داخل المزاج الشعبي العربي
وبغض النظر عن النتائج العسكرية الفعلية لهذه العمليات، فإن الجماعة نجحت إعلاميًا وسياسيًا في تحقيق اختراق داخل المزاج الشعبي العربي، حيث أعادت صياغة صورتها من جماعة محلية مرتبطة بالحرب الأهلية اليمنية إلى قوة إقليمية تواجه إسرائيل والولايات المتحدة.
لقد أدرك الحوثيون أن الصورة الذهنية في الشرق الأوسط لا تُبنى فقط عبر السيطرة على الأرض، بل عبر القدرة على التموضع داخل القضايا الكبرى التي تشكل وجدان المنطقة. ومن هنا، تحولت غزة بالنسبة إليهم من قضية تضامن إلى أداة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية والإعلامية.
لكن التحول الأكثر أهمية تمثل في انتقال الحوثيين من الملف اليمني إلى ملف الأمن الإقليمي والدولي. فالهجمات على الملاحة الدولية جعلت الجماعة حاضرة في النقاشات المتعلقة بأمن الطاقة والتجارة العالمية والممرات البحرية، وهو تحول بالغ الخطورة من الناحية الاستراتيجية.
للمرة الأولى منذ نشأة الجماعة، لم يعد الحوثيون مجرد قضية مرتبطة بالحرب مع الشعب اليمني وحكومته، بل أصبحوا طرفًا مؤثرًا في معادلات البحر الأحمر، وهي إحدى أهم المناطق الجيوسياسية في العالم.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة الكبرى. فالضربات الأمريكية والبريطانية ضد الحوثيين، رغم أنها استهدفت تقليص قدرات الجماعة، ساهمت في الوقت نفسه في تكريس صورتها كفاعل إقليمي يتعامل معه العالم باعتباره قوة قادرة على التأثير في الأمن الدولي.
وتتكرر هذه الإشكالية أيضًا في مقاربات إقليمية تسعى إلى الحوار مع الجماعة بنية إرساء السلام في اليمن، لكنها قد تمنح الحوثيين، من حيث لا تقصد، موقعًا تفاوضيًا أكبر من حجمهم المحلي التقليدي.
وبذلك، تحولت الجماعة من ميليشيا محلية معزولة نسبيًا إلى طرف حاضر في الحسابات الدولية المتعلقة بالتجارة والطاقة والملاحة.
ولا يمكن فهم هذا التحول بعيدًا عن الاستراتيجية الإيرانية الأوسع في المنطقة. فإيران لا تعتمد في بناء نفوذها الإقليمي على الجيوش التقليدية فقط، بل على شبكة من الفاعلين المسلحين غير الدولتيين الذين يمنحونها قدرة على إدارة الصراعات الإقليمية بأقل تكلفة مباشرة.
أحد أبرز الأذرع المرتبطة بإيران
في هذا الإطار، يمثل الحوثيون أحد أبرز الفاعلين المرتبطين بإيران في جنوب الجزيرة العربية، ليس فقط بسبب موقع اليمن الجغرافي، بل بسبب إطلالته المباشرة على البحر الأحمر وباب المندب.
لقد منحت حرب غزة إيران فرصة لإعادة تنشيط شبكتها الإقليمية ضمن معادلة “وحدة الساحات”، حيث ظهر الحوثيون كجزء من منظومة إقليمية تتحرك تحت سقف سياسي وعسكري متقارب، حتى وإن اختلفت مستويات التنسيق المباشر بين أطرافها.
لكن الخطر الأكبر في التحول الحوثي الحالي لا يتعلق فقط بقدرة الجماعة على اكتساب حضور إقليمي، بل بالكيفية التي يمكن أن تُترجم بها أي تفاهمات أو تهدئة طويلة مع السعودية إلى فرصة استراتيجية لترسيخ نفوذ الجماعة داخل اليمن وخارجه.
فالهدنة، من منظور الحوثيين، لا تبدو نهاية للصراع، بل مرحلة لإعادة ترتيب القوة. وهذه ليست فرضية نظرية، بل سلوك متكرر في تاريخ الجماعة.
فخلال العقدين الماضيين، استخدم الحوثيون مراحل التهدئة لإعادة بناء قدراتهم العسكرية والسياسية، قبل الانتقال إلى مراحل توسع جديدة. ولهذا، فإن أي مقاربة إقليمية تقوم على فكرة “احتواء الحوثيين عبر التهدئة” دون معالجة جوهر المشروع الحوثي، قد تحمل في داخلها مخاطر استراتيجية بعيدة المدى.
فالجماعة التي بدأت كتمرد محدود في صعدة، ثم تحولت تدريجيًا إلى سلطة تسيطر على معظم شمال اليمن، وتمكنت لاحقًا من تطوير ترسانة صاروخية وطائرات مسيرة وقدرة على تهديد الملاحة الدولية، قد لا تنظر إلى التفاهمات الحالية باعتبارها تسوية نهائية، بل باعتبارها محطة ضمن مشروع طويل الأمد.
من هنا، تبدو المخاوف السعودية أكثر تعقيدًا من مجرد القلق المرتبط بأمن الحدود. فالتحدي الحقيقي يكمن في احتمال تحول اليمن، مع مرور الوقت، إلى منصة نفوذ متقدمة تستخدمها الجماعة ضمن مشروع إقليمي أوسع مرتبط بإيران ومعادلات البحر الأحمر.
فالخطاب الحوثي، رغم ما يظهره أحيانًا من براغماتية سياسية، لا يزال يحتفظ ببنية أيديولوجية صدامية تجاه السعودية والمنطقة. وهذا ما يجعل الرهان على أن الجماعة ستتحول تلقائيًا إلى فاعل محلي منضبط بمجرد الوصول إلى اتفاقات تهدئة، رهانًا محفوفًا بالمخاطر.
لقد أثبتت تجربة اليمن خلال العقدين الماضيين أن الحوثيين لا يتحركون بعقلية “تسوية نهائية”، بل بعقلية “إدارة مراحل”، حيث تتحول كل هدنة إلى فرصة لإعادة التموضع، وكل أزمة إقليمية إلى مساحة لتوسيع النفوذ.
ومن هنا، فإن قراءة الحوثيين باعتبارهم مجرد طرف يمني يمكن دمجه عبر تفاهمات مرحلية، قد تتجاهل حقيقة أن الجماعة تنظر إلى نفسها باعتبارها مشروعًا يتجاوز حدود الدولة الوطنية التقليدية.
لقد أعادت حرب غزة رسم جزء مهم من المشهد السياسي في المنطقة، وكان الحوثيون من أكثر الأطراف استفادة من هذا التحول. فالجماعة لم تكتف بإعلان التضامن مع غزة، بل استخدمت الحرب لإعادة إنتاج نفسها سياسيًا وإعلاميًا، ومحاولة الانتقال من جماعة محلية محاصرة إلى لاعب إقليمي يمتلك أوراق ضغط تتجاوز حدود اليمن.
لكن السؤال الأكثر أهمية يبقى مفتوحًا: هل يشهد الشرق الأوسط اليوم مجرد صعود ظرفي للحوثيين فرضته حرب غزة، أم أن المنطقة تدخل بالفعل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي، يكون الحوثيون فيها جزءًا دائمًا من معادلات القوة والصراع؟ ومن التالي بعد اليمن؟

