الحوثي يشعل الحرب بأوامر إيرانية.. هل يريد أن يصبح «حزب الله اليمني»؟

لم يعد التصعيد الحوثي الأخير مجرد جولة عسكرية عابرة على جبهات اليمن، ولا يمكن قراءته بمعزل عن التطورات الإقليمية المتسارعة والصراع المفتوح بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما في المنطقة. فالهجمات…

محمود الطاهرمحمود الطاهركاتب وباحث يمني10 أغسطس 2026· 9 دقيقة قراءة
شارك:

لم يعد التصعيد الحوثي الأخير مجرد جولة عسكرية عابرة على جبهات اليمن، ولا يمكن قراءته بمعزل عن التطورات الإقليمية المتسارعة والصراع المفتوح بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما في المنطقة.

فالهجمات الحوثية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على مأرب والجوف والمخا وشبوة، واستهداف مناطق عسكرية ومدن وموانئ وأحياء سكنية، تشير إلى أن الجماعة تتجه إلى رفع مستوى المواجهة، في وقت يطالب فيه اليمنيون، في مناطق سيطرة الحوثيين كما في المناطق المحررة، بإشعال حرب أخير لدحر الحوثي ووضع حد لمعاناتهم المستمرة منذ سنوات.

المفارقة أن الطرف الذي يفترض أن يكون أكثر حرصًا على التهدئة، لبناء قوته أكثر، واللعب على خلاقات الشرعية اليمنية، باعتباره سلطة أمر واقع تسيطر على العاصمة ومناطق واسعة من البلاد، هو الذي يدفع باتجاه إعادة إشعال الجبهات.

وهذا يقود إلى السؤال الأهم: لماذا يريد الحوثي الحرب في الوقت الذي تدفع الحكومة اليمنية والتحالف العربي والمجتمع الدولي نحو السلام؟

المعلومات تشير إلى أن التصعيد الأخير جاء في سياق توجيه إيراني للجماعة، وأن طهران تريد الإبقاء على الحوثيين كورقة نفوذ وضغط مهمة في اليمن، وعدم السماح بأن يصبح وضع الجماعة خارج الحسابات الإيرانية في أي تفاهمات إقليمية مقبلة.

وبحسب هذه المعلومات، فإن الهدف الإيراني لا يتمثل بالضرورة في دفع الحوثيين إلى تحقيق انتصار عسكري شامل داخل اليمن، وإنما في إبقائهم قوة مسلحة قادرة على إشعال الجبهة وتهديد المصالح الإقليمية والدولية متى احتاجت طهران إلى استخدامها، وبالتالي الاحتفاظ باليمن كورقة مهمة في أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، وهنا يصبح التصعيد الحالي أكثر قابلية للفهم.

إيران لا تريد خسارة الحوثي كورقة تفاوضية، والحوثي من جهته لا يريد أن ينتهي الصراع الإقليمي بينما يكون مستقبل اليمن قد حُسم من دونه.

إنها معادلة شديدة الخطورة، طهران تفاوض على نفوذها، والحوثي يريد أن يثبت أن نفوذ إيران في اليمن لا يمكن تجاوزه.

تكرار النموذج اللبناني

لفهم هذا السلوك، يمكن النظر إلى الطريقة التي تتعامل بها إيران مع حلفائها في المنطقة، وفي مقدمتهم حزب الله اللبناني.

على مدى عقود، نجحت طهران في تحويل حزب الله من جماعة مسلحة إلى لاعب سياسي وعسكري يصعب تجاوز وجوده في أي ترتيبات لبنانية أو إقليمية، ومع كل حرب أو مواجهة، كان الحزب يخرج بوضع سياسي مختلف، وأصبح سلاحه ومستقبله جزءًا من أي نقاش يتعلق بأمن لبنان والمنطقة.

وفي مارس 2026، أفادت تقارير بأن طهران سعت إلى إدخال وضع لبنان وحزب الله ضمن أي ترتيبات لوقف الحرب مع واشنطن وإسرائيل، بما يكشف حجم الترابط الذي تراه إيران بين ساحات نفوذها المختلفة.

صحيح أن أي اتفاق أو ترتيب إقليمي لا يعني تلقائيًا منح حزب الله ضمانة دائمة لبقاء سلاحه، بل إن ترتيبات وقف إطلاق النار تتضمن مطالب بإبعاد عناصره وسلاحه عن مناطق معينة وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية، لكن الأهم بالنسبة لإيران هو أن الحزب أصبح بالفعل جزءًا من الحسابات الإقليمية، وأن تجاوزه لم يعد أمرًا بسيطًا، وهذا تحديدًا ما يريد الحوثي الوصول إليه في اليمن.

يريد أن يصبح وجوده العسكري والسياسي أمرًا لا يمكن لأي قوة إقليمية أو دولية تجاوزه عند التفاوض على مستقبل اليمن.

بمعنى آخر، يريد الحوثي أن يقول: إذا تفاوضت إيران مع الولايات المتحدة، فعليكم أن تأخذوا اليمن في الاعتبار؛ وإذا أرادت السعودية أو الحكومة اليمنية إنهاء الانقلاب بالقوة، فإنكم ستدخلون في مواجهة مع إيران وحلفائها؛ وإذا أراد المجتمع الدولي إنهاء الحرب، فعليه أن يتفاوض معي باعتباري طرفًا لا يمكن تجاوزه.

وهنا تصبح الحرب بالنسبة للحوثي أداة لإنتاج قيمة تفاوضية، كلما ارتفع مستوى التصعيد، ارتفعت أهميته في الحسابات الإيرانية.

وكلما أثبت قدرته على تهديد الملاحة، وضرب المدن والموانئ، واستهداف السعودية، وفتح جبهات داخل اليمن، أصبح من الصعب على أي طرف إقليمي التعامل معه باعتباره مجرد جماعة يمنية مسلحة، وهذا هو الهدف الذي ينبغي الانتباه إليه.

لماذا المخا ومأرب وشبوة؟

الهجمات الأخيرة على المخا ليست مجرد عملية عسكرية أخرى.

المخا مدينة ساحلية وميناء ذو أهمية استراتيجية، وتطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ولذلك فإن استهدافها بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وصولًا إلى مناطق سكنية، يحمل رسالة تتجاوز الهدف العسكري المباشر.

فالرسالة تقول، إن الحوثي قادر على تهديد الساحل الغربي وموانئ البحر الأحمر، كما أنه قادر على فتح جبهات أخرى في مأرب والجوف وشبوة، وإرباك القوات الحكومية في أكثر من اتجاه.

وهذا التوزيع الجغرافي للهجمات يكشف أن الجماعة لا تتحرك فقط لتحسين موقعها في جبهة محددة، وإنما تحاول خلق حالة استنفار واسعة وإعادة إنتاج أجواء الحرب.

والأخطر أن الحوثي يبدو وكأنه يريد استفزاز القوات الحكومية للرد بريًا.

فالهجوم على مدينة أو موقع عسكري بصاروخ باليستي يمكن أن يقتل ويصيب ويثير غضب الطرف الآخر، ثم يصبح الرد العسكري الواسع متوقعًا، وهنا يكون الحوثي قد حصل على ما يريد.

فإذا ردت القوات الحكومية بهجوم شامل، يستطيع الحوثي أن يقدم الأمر على أنه «عدوان سعودي أو أمريكي» على اليمن، وإذا بقيت الحكومة صامتة، يستطيع الحوثي مواصلة التصعيد والقول إن خصمه عاجز عن الرد.

إنها معادلة صُممت بعناية لإحراج الدولة اليمنية في كلا الاتجاهين.

إعادة تعريف الحرب.. من معركة يمنية إلى حرب أمريكية

من أكثر الجوانب دلالة في الخطاب الحوثي الحالي أنه يصف القوات الحكومية اليمنية بأنها «حشود سعودية»، ويتحدث عن استعدادات لهجوم بري، رغم أن الحكومة اليمنية تؤكد في خطابها السياسي أنها لا تسعى إلى فتح حرب شاملة، وتدعو إلى السلام والحل السياسي.

لماذا يفعل الحوثي ذلك؟

لأن المعركة الحقيقية بالنسبة إليه ليست عسكرية فقط، وإنما معركة على تعريف الصراع.

إذا بدأت القوات اليمنية عملية لتحرير مناطقها، يريد الحوثي أن يقول إن السعودية وأمريكا بدأتا الحرب على اليمن.

وإذا دخلت السعودية أو الولايات المتحدة على خط المواجهة، يصبح من السهل على الحوثي ربط المعركة بالملف الإيراني.

وفي هذه الحالة، إذا وقعت مواجهة يمنية واسعة في الوقت الذي تكون فيه طهران وواشنطن في حالة تفاوض، يمكن للحوثي أن يحاول تقديمها باعتبارها خرقًا للاتفاق الأمريكي الإيراني أو تصعيدًا من جانب واشنطن وحلفائها.

وبذلك يتحول الحوثي من طرف يمني متمرد إلى ورقة إيرانية تستطيع طهران تحريكها متى احتاجت إلى الضغط على الطرف الآخر، وهذا هو جوهر الخطر.

لماذا لا تعلن الحكومة الحرب الشاملة؟

قد يسأل البعض، إذا كانت الحكومة اليمنية تمتلك القدرة على الرد، فلماذا لا تعلن الحرب الشاملة وتنهي الأمر؟

الإجابة ليست أن الحكومة عاجزة أو لا تملك خيارات عسكرية.

بل إن المعلومات المتاحة تشير إلى أن الحكومة والقوات الحكومية تتابع التصعيد وترفع مستوى الجاهزية، لكنها تلتزم في هذه المرحلة بأقصى درجات ضبط النفس، لأن القيادة اليمنية تدرك خطورة الوقوع في الفخ الحوثي.

الحرب الشاملة قد تكون هي بالضبط النتيجة التي يريدها الحوثي.

فإذا تحولت الضربات الحوثية إلى معركة واسعة، فإن الجماعة ستتمكن من تعبئة مناطق سيطرتها، وستقدم نفسها باعتبارها تواجه عدوانًا خارجيًا، وستربط الجبهة اليمنية بالحرب الإقليمية، وستمنح إيران ورقة إضافية في أي مفاوضات مع الولايات المتحدة.

ولذلك فإن عدم الذهاب إلى الحرب الشاملة لا يعني أن الحكومة قبلت بالوضع القائم، إنه في جانب كبير منه "ضبط نفس محسوب.

الحكومة تعرف أن الرد مطلوب، لكنها تريد أن يكون الرد في اللحظة المناسبة وبالشكل الذي يخدم الهدف النهائي، لا بالشكل الذي يخدم الحساب الحوثي والإيراني.

فالحرب ليست قرارًا عسكريًا فقط؛ إنها قرار سياسي واستراتيجي.

وقد يكون إطلاق عملية عسكرية واسعة سهلًا، لكن الأصعب هو معرفة كيف تنتهي، ومن يضمن ألا تتحول إلى حرب استنزاف جديدة، ومن يمنع إيران من استخدامها لتوسيع الصراع الإقليمي داخل اليمن، الحوثي لا يريد السلام الذي يريده اليمنيون، وهنا تظهر المفارقة الكبرى.

اليمنيون في صنعاء وصعدة والحديدة وإب وحجة وذمار، كما في مأرب وتعز والمخا وشبوة وحضرموت وعدن، لا يبحثون عن جولة جديدة من الحرب، هم يريدون أن تنتهي الحرب، بأي شكل..

يريدون رواتب منتظمة، وطرقًا مفتوحة، وموانئ ومطارات تعمل، وعودة النازحين، وإطلاق المعتقلين، وإنهاء الجبايات، ووقف التجنيد، واستعادة مؤسسات الدولة، لكن الحوثي ينظر إلى السلام بطريقة مختلفة.

فالسلام الحقيقي بالنسبة له يعني فتح ملفات السلاح، والمؤسسات، والموارد، والجيش والأمن، والجبايات، والحكم، وعلاقة الجماعة بالدولة.

ولهذا فإن التسوية التي لا تضمن له موقعًا استثنائيًا قد تكون بالنسبة إليه أخطر من الحرب التي تمنحه السيطرة والنفوذ، والتصعيد يمنحه قيمة تفاوضية.

أما السلام الحقيقي فيضع هذه الامتيازات أمام اختبار الدولة، ومن هنا يمكن تفسير إصراره على إبقاء النار مشتعلة.

اليمن كورقة إيرانية

الحوثي لم ينشأ بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية مع إيران، جذور الحركة تعود إلى التسعينيات، وكان عام 2003 محطة مهمة في تحولها الأيديولوجي والسياسي، ثم جاءت الحرب الأولى عام 2004.

لكن إيران عملت على مدى سنوات على دعم الحوثيين وتطوير قدراتهم العسكرية والسياسية، حتى أصبحوا جزءًا أساسيًا من منظومة النفوذ الإيرانية في المنطقة.

ولهذا فإن اختزال الحوثي في كونه نتيجة مباشرة للحرب الحالية مع إيران سيكون خطأ تحليليًا.

الحوثي مشروع قائم بذاته، لكنه أصبح في الوقت نفسه ورقة إيرانية متقدمة، وهذا هو سبب أهمية اليمن بالنسبة لطهران.

فاليمن لا يمثل مجرد دولة فقيرة في جنوب الجزيرة العربية؛ بل يمثل موقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر وباب المندب، وقربًا جغرافيًا من السعودية، وقدرة على تهديد الملاحة والطاقة، إضافة إلى وجود جماعة مسلحة تمتلك صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة.. هذه كلها أوراق تفاوضية ثمينة.

ولذلك، فإن أي اتفاق أمريكي إيراني لا يعني بالضرورة أن إيران ستتخلى عن الحوثي.

بل قد يكون العكس هو الأقرب إلى منطق الاستراتيجية الإيرانية، الحفاظ على الورقة حتى بعد الاتفاق، بحيث تبقى قادرة على إعادة استخدامها إذا تغيرت الظروف، وهنا بالضبط يريد الحوثي أن يصبح «حزب الله اليمني».

ليس بالضرورة نسخة مطابقة للحزب اللبناني، وإنما نموذجًا لجماعة مسلحة تصبح جزءًا من بنية الدولة أو فوقها، وتتحول من حليف إيراني إلى طرف لا يستطيع المجتمع الدولي تجاوزه.

المعركة الحقيقية ليست حول جبهة، ولهذا فإن التصعيد الحالي يجب ألا يُقرأ باعتباره معركة على المخا أو مأرب أو شبوة وحدها، المعركة الحقيقية هي على مستقبل اليمن.

هل يكون اليمن دولة تمتلك قرار الحرب والسلام.. أم يبقى ساحة تستخدمها إيران للضغط والمساومة.. وهل يكون الحوثي طرفًا يمنيًا يخضع لقواعد الدولة والقانون..

أم يصبح قوة مسلحة مستقلة تملك حق تقرير متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون حاضرة في أي نقاش حول التصعيد الحالي.

والمطلوب من الحكومة اليمنية ليس التسرع في إعلان حرب شاملة لمجرد الرد على استفزاز الحوثي، كما أن المطلوب ليس استمرار ضبط النفس إلى ما لا نهاية.

المطلوب استراتيجية متوازنة، ضبط نفس يمنع الحوثي من جر البلاد إلى حرب تخدم إيران، وفي الوقت نفسه استعداد عسكري وسياسي واضح يمنع الجماعة من الاعتقاد بأن الدولة غير قادرة على الرد، فالسلام لا يعني الاستسلام.. والحرب لا تعني أن تكون الدولة هي من يحدد توقيتها وفقًا لرغبة الحوثي.

المعادلة التي ينبغي أن تفرضها الحكومة هي أن اليمنيين هم أصحاب القرار في الحرب والسلام، وليس طهران ولا الحوثي ولا أي قوة إقليمية أخرى.

إذا أراد الحوثي السلام، فطريقه واضح، العودة إلى الدولة، وتسليم السلاح، وإنهاء الانقلاب، والقبول بتسوية سياسية يمنية.

أما إذا أراد أن يبقى ورقة إيرانية مشتعلة، فإن استمرار التصعيد سيضعه في مواجهة ليس فقط مع الحكومة اليمنية، وإنما مع الإرادة الشعبية التي سئمت الحرب وأصبحت تطالب بحسمها.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى، الحوثي يقول إنه يحارب من أجل اليمن، بينما سلوكه يجعل اليمن وقودًا لمفاوضات الآخرين.

وإذا كان هدف إيران هو الاحتفاظ بالحوثي كورقة ضغط في أي تفاوض مع الولايات المتحدة، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لليمن هو أن تنتهي الحرب الإقليمية بينما تبقى الحرب اليمنية مشتعلة.

عندها لن يكون الحوثي قد خسر الحرب؛ بل سيكون قد نجح في تحويل اليمن إلى ورقة تفاوضية دائمة.

ولهذا فإن المطلوب ليس مجرد إيقاف صاروخ حوثي أو إسقاط طائرة مسيّرة، وإنما كسر المعادلة التي تجعل من اليمن ساحة مفتوحة للحسابات الإيرانية.

شارك:
الآراء المنشورة تعبّر عن كتّابها ولا تعكس بالضرورة موقف مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات.
محمود الطاهر
محمود الطاهر
كاتب وباحث يمني