عندما يصبح التساهل مع الحوثيين تهديدًا للعالم
لسنوات طويلة، كان ينظر إلى جماعة الحوثي باعتبارها مشكلة يمنية داخلية، يمكن احتواؤها عبر الهدن والاتفاقات والضغوط السياسية على الحكومة الشرعية، مع تجنب أي مواجهة حاسمة قد تؤدي إلى إنهاء انقلابها،…
لسنوات طويلة، كان ينظر إلى جماعة الحوثي باعتبارها مشكلة يمنية داخلية، يمكن احتواؤها عبر الهدن والاتفاقات والضغوط السياسية على الحكومة الشرعية، مع تجنب أي مواجهة حاسمة قد تؤدي إلى إنهاء انقلابها، غيرأن ما يحدث اليوم في البحر الأحمر يؤكد أن هذا التقدير كان أحد أكبر الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها المجتمع الدولي، رغم التحذيرات التي كنا نطلقها..
ما كشفته وكالة رويترز عن دراسة الحوثيين فرض رسوم على السفن التجارية العابرة لمضيق باب المندب ليس مجرد خبر اقتصادي أو إجراء إداري كما قد يبدو للبعض، بل إعلان عن مرحلة جديدة من مشروع الجماعة؛ مرحلة الانتقال من تهديد الملاحة الدولية إلى محاولة التحكم بها والاستفادة منها ماليًا وسياسيًا.
فباب المندب ليس ميناءً محليًا تسيطر عليه سلطة وطنية، بل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وشحنات الطاقة، والقانون الدولي، وفي مقدمته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وضع قواعد واضحة تكفل حرية الملاحة في المضائق الدولية، ومنع أي طرف من تحويلها إلى مصدر ابتزاز أو جباية أو وسيلة لفرض النفوذ.
ولو افترضنا جدلًا أن المجتمع الدولي سمح للحوثيين بفرض رسوم على السفن، فما الذي سيمنع أي جماعة مسلحة في أي مكان آخر من العالم من القيام بالأمر ذاته؟ وما الذي سيبقى من النظام القانوني الدولي إذا أصبحت الممرات البحرية تخضع لسلطة المليشيات بدلًا من القانون؟
إن أخطر ما في المشروع الحوثي أنه لا ينشأ من فراغ، بل يستنسخ النموذج الإيراني بصورة تكاد تكون كاملة.. فبينما تسعى طهران منذ سنوات إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط سياسية واقتصادية، يحاول الحوثيون اليوم تحويل باب المندب إلى النسخة اليمنية من هرمز، بحيث يصبح المضيق الدولي رهينة لقرارات جماعة مسلحة مرتبطة بالمشروع الإيراني.
هذه ليست قضية يمنية فحسب، بل قضية تمس الاقتصاد العالمي، فكل سفينة تضطر لدفع رسوم غير قانونية، أو تغيير مسارها، أو تحمل تكاليف تأمين إضافية، تعني ارتفاعًا في أسعار النقل والشحن، ثم ارتفاعًا في أسعار السلع التي تصل إلى المستهلك في مختلف دول العالم. ولهذا فإن تهديد باب المندب لا يقتصر على اليمن أو دول المنطقة، بل يمتد أثره إلى سلاسل الإمداد العالمية بأكملها.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف وصلت جماعة بدأت تمردًا محليًا في محافظة يمنية إلى مرحلة تناقش فيها فرض إتاوات على التجارة الدولية؟
الإجابة، في رأيي، تكمن في سنوات من التردد الدولي، وسياسات الاحتواء التي تعاملت مع الحوثيين باعتبارهم طرفًا يمكن استرضاؤه بدلًا من جماعة مسلحة توسعية.
ففي كل مرة كانت الجماعة تصعد، كان الرد الدولي يركز على احتواء الأزمة أكثر من معالجة أسبابها، وفي كل مرة كانت الحكومة اليمنية تستعد لتغيير المعادلة ميدانيًا، كانت الضغوط تتزايد لإيقاف العمليات العسكرية تحت عناوين إنسانية أو سياسية.
إن الهدنة التي أعلنت في عام 2022، كانت النافذة الوحيدة لتغيير المعادلة كلها بالنسبة للحوثيين، الذين كانوا يدافعون على مناطق احتلوها، ليغدو اليوم جماعة تريد أن تركع العالم، وتفرض الإتاوات أسوة باليمنيين..
لم يتوقف الأمر عند فرض الإتاوات على العالم، كما هي تفرض الإتاوات على اليمنينين باعتبار أنها قوة إلهية، ومأمورة من السماء لتحكم العالم، بل ستغزو السعودية عسكريًا أو ترهقهقا اقتصاديا، ولذلك نحن ندعوا دائما للقضاء على هذه الفئة الباغية، ونحذر دون من يسمع لتحذيرنا.. بل يأذونا.
كنا نتحدث عن الحرب في الحديدة يجب أن الا تقف.. فالحوثي قد يستغل اتفاقية ستوكهولم، ويتحول إلى غازي بدلا من المدافع، ومن الإرهاب المحلي إلى الدولي، دون أن يسمع أحد أو يعي ما نقوله.
لقد تحولت الحديدة إلى المثال الأبرز على ذلك، فبدلًا من أن تنتهي سيطرة الحوثيين على أهم منفذ بحري يخدم مشروعهم العسكري، جُمّدت المعركة، وبقيت المدينة تحت نفوذ الجماعة، لتتحول لاحقًا إلى إحدى أهم ركائز نفوذها الاقتصادي والعسكري.
وفي وقت لاحق، أقر السفير البريطاني السابق لدى اليمن، إدموند فيتون براون، بأن ضغوطًا مارستها منظمات إنسانية، بينها منظمة أوكسفام، أسهمت في دفع الحكومة البريطانية لدعم وقف الهجوم على الحديدة عام 2018.
وبغض النظر عن اختلاف التقييمات السياسية لذلك القرار، فإن النتيجة العملية كانت أن الجماعة بقيت محتفظة بأحد أهم مصادر قوتها.
تجربة السنوات الماضية أثبتت أن الهدن، عندما لا تقترن بآليات تمنع إعادة التسلح والتمدد، قد تمنح الجماعات المسلحة فرصة لإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز قدراتها.. وهذا لا ينطبق على اليمن وحدها، بل يمثل درسًا معروفًا في العديد من الحروب والمواجهات المسلحة حول العالم.
الأمر نفسه ينطبق على السعودية، التي اختارت في مراحل معينة منح الأولوية لخفض التصعيد عبر التفاهمات والهدن، في إطار حسابات أمنية وسياسية معقدة.. غير أن منتقدي هذا النهج يرون أن الحوثيين استغلوا فترات التهدئة لتعزيز قدراتهم العسكرية وتوسيع هامش تحركهم، وهو ما انعكس لاحقًا في تصاعد تهديداتهم للملاحة الدولية.
اليوم لم تعد الجماعة تكتفي بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل أصبحت تتحدث عن حصار بحري، واستهداف السفن، ثم التفكير في فرض رسوم على الملاحة الدولية.. وهذا التطور يوضح أن التهديد يتوسع تدريجيًا كلما غاب الردع.
إن المجتمع الدولي يقف أمام اختبار حقيقي، فإذا تحول باب المندب إلى ساحة تفرض فيها جماعة مسلحة قواعدها الخاصة، فلن يكون الضرر مقتصرًا على اليمن أو البحر الأحمر، بل سيمثل سابقة خطيرة تهدد أحد أهم المبادئ التي قام عليها النظام التجاري العالمي، وهو حرية الملاحة في المياه الدولية.
إن المشكلة لم تعد في أن الحوثيين يهددون اليمن، بل في أن اليمن تُرك طويلًا ليواجه هذه الجماعة وحده، حتى أصبح العالم كله يواجه اليوم تداعيات ذلك التساهل.. فهل ستطلق الحكومة يدها لإيقاف هذا الابتزاز العالمي والتمدد الإرهابي، أم أن المجتمع العربي والدولي سرتكب ذات الأخطاء، والتي قد تكون نتائجها كارثية أكثر بكثير مما نراه اليوم.

