المخا.. ذاكرة البحر والحرب في اليمن!
تعود مدينة المخا إلى صدارة الإعلام من بوابة الحرب، لا من بوابة مجد التاريخ. خلال الأيام الماضية، أطلقت ميليشيات الحوثى صواريخ عدة على رصيف الميناء التاريخي؛ لمرات عدة، ذلك الرصيف الذى كان نصيبه، منذ…
تعود مدينة المخا إلى صدارة الإعلام من بوابة الحرب، لا من بوابة مجد التاريخ. خلال الأيام الماضية، أطلقت ميليشيات الحوثى صواريخ عدة على رصيف الميناء التاريخي؛ لمرات عدة، ذلك الرصيف الذى كان نصيبه، منذ القرن الثامن عشر، إما القصف وإما النسيان، وعانى طويلاً مرارة الغزو والإهمال. ومدينة المخا، التى كانت أهم شرفة لليمن نحو العالم، تطل منها جبال اليمن السعيد. ومنه حمل البحر اسم المخا إلى أصقاع الدنيا، حتى التصق اسمها بأشهر أنواع القهوة: «موكا كوفى».
وحده البحر حمل السفن المحمّلة بالثروات والغزاة والطغاة، وحمل أيضا أحزان الصيادين والعشاق. وظل البحر ذاته الذى تبدأ منه النجاة والحياة، كما تبدأ منه الحروب. ويدرك اليمنيون، أن طغيان الحوثى لا يجلب لليمن سوى وبال القلق الدولى، ويحوّل شواطئ البلد السعيد إلى مسرح لحرب تعيسة. فهذا العدوان الميليشياوى، وتهديد الامن الدولى، لا ينتج إلا الفوضى، ويصنع عدم استقرار يدفع ثمنه الجميع. فى عام 1737، قاد القبطان الفرنسى ديلاجار جازييه سفنا فرنسية تجاه المخا، فى محاولة للسيطرة على تجارة البن وفرض النفوذ الفرنسى فى المنطقة. ولم تكن تلك السفن تجارية مسالمة، بل كانت سفنا حربية مجهزة بالمدافع، خاضت مواجهات ومناوشات فى طريقها إلى المخا، واستعرضت القوة لفرض الشروط. كان جوهر الصراع آنذاك هو السيطرة على الممرات البحرية والسلع الاستراتيجية؛ وكان البن اليمنى، إلى جانب البخور والجلود، ثروة تستحق المغامرة والحرب. أرهقت الحرب والطبيعة القاسية الأسطول الفرنسى، كما أرهقت قبلهم البرتغاليين والعثمانيين، لكنه عاد بعد سنوات، مدفوعا بالطمع فى الثروات، وبالرغبة الأهم فى السيطرة على الممرات البحرية ومواجهة النفوذ البريطانى الذى تمدد فى عدن وسواحل اليمن. فاليمن، بحكم موقعه، لم يكن مجرد بلد على البحر؛ بل هو بلد يمتلك مفاتيح البحر. يشرف على بحر العرب وخليج عدن والمحيط الهندى، من سقطرى وحضرموت وحتى عدن وتعز والحديدة. مستفردا بطرق دولية بين المحيط والبحر . والأهم على باب المندب، ذلك العنق البحرى الذى ظل عبر التاريخ ممرا للتجارة، وساحة للأطماع، وممراً للأحزان.
وكانت المخا، التابعة اداريا لمحافظة تعز، أكثر من ميناء على الساحل. إنها امتداد لعمق اليمن الجغرافى والبشري؛ ولهذا فإن كل وجع يصيب هذا المرفأ الذى أُهمل طويلا هو وجع فى بؤبؤ العين لقلب اليمن كله. وتؤكد الأحداث حقيقة ثابتة: كلما كانت مياه البحر الأحمر، تحت مظلة التعاون العربى المشترك، كانت هذه الشرايين المائية أكثر أمنا واستقرارا للعالم أجمع. ومن هنا تأتى ضرورة التكامل العربى فى حماية هذا الممر الحيوى.
إن دعم الدول العربية لاستعادة الدولة اليمنية لمؤسساتها ودورها ، ينبغى ألا يُنظر إليه باعتباره اصطفافا فى صراع إقليمى، بل شراكة عربية لحماية الدولة الوطنية والأمن القومى العربي. فأمن اليمن، من عدن والحديدة والمخا وباب المندب إلى المكلا وسقطرى، يرتبط مباشرة بأمن البحار والمحيط والسواحل العربية وقناة السويس.
واليمن المستقر والقادر على حماية سواحله هو مصلحة عربية، كما هو مصلحة يمنية.
وعامل أساسى للأمن الدولي. ويعلمنا التاريخ أن قوة اليمن واستقراره كانا دوما مفتاحا لاستقرار هذه الشواطئ، فى ضفتى البحر الأحمر، العربية والإفريقية، وسداً أمام الأطماع التى أرادت النيل من مقدرات المنطقة. فأهل اليمن لم يكونوا غرباء عن البحر، ولا كانت الضفة الأخرى من البحر الأحمر عالما منفصلا عنهم. فمنذ قرون، عبر اليمنيون البحر إلى الضفة الأخرى، وأسهموا مع إخوانهم من العفر والعيسى والصومال فى نشوء مدن ومرافئ، وظلت الروابط البشرية والتجارية والثقافية بين ضفتى البحر الأحمر أعمق من الحدود التى رسمتها القوى الاستعمارية.
جاء الاستعمار إلى الشاطئ الآخر من البحر الأحمر، الذى لا يبعد عن المخا وباب المندب سوى عشرين ميلا، وبقى أكثر من قرن، ثم رحل. وبقى أهل الأرض يحملون ذاكرة البحر، ويتقاسمون جغرافيته الإنسانية. رحلت قوى الاستعمار، وبقى اليمنيون وأهل القرن الإفريقى من اليمن والصومال وجيبوتى. أما حماقات الحرب حول باب المندب، التى تحاول إشعالها ميليشيا الحوثى، فلا تعيد سوى فصل جديد من مأساة قديمة؛ حيث يتحول البحر من طريق للتجارة والحياة إلى ساحة للتهديد والابتزاز. لكن مشروع القراصنة والميليشيات وصانعى الفوضى لن يصنع مستقبلا.
سيُهزم عبث الحرب، وستصفو أجواء البحر كما عرفتها الأرض عبر تاريخها الطويل. وستعود المخا إلى ما تستحقه: ميناءً للحياة لا منصة للحرب، وذاكرةً للبن لا هدفا للصواريخ. وسلام على الأرض السعيدة... فلن يكون باب المندب بوابةً للدموع، بل نافذةً للسلام والحرية.

